مركز الثقافة والمعارف القرآنية

165

علوم القرآن عند المفسرين

مرة ؟ . وعلى هذا يحمل قول أنس بن مالك حين قرأ : ( إنّ ناشئة اللّيل هي أشدّ وطئا وأصوب قيلا ) « 1 » . فقيل له : إنما تقرأ ( وأقوم ) ، فقال أنس : أقوم ، وأصوب ، وأهيأ . واحد « 2 » . فإنما معنى هذا : أنها مروية عن النبي عليه السّلام وإلا فلو كان هذا لأحد من الناس أن يضعه لبطل قول اللّه تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ « 3 » . ثم إن هذه الروايات الكثيرة لما انتشرت عن رسول اللّه عليه السّلام ، وافترق الصحابة في البلدان ، وجاء الخلف وقرأ القرآن كثير من غير العرب ، ووقع بين أهل الشام والعراق ما ذكر حذيفة بن اليمان « 4 » رضى اللّه عنه ، وذلك أنهم اجتمعوا في غزوة أرمينية فقرأت كل طائفة بما روى لها ، فاختلفوا وتنازعوا حتى قال بعضهم لبعض : أنا كافر بما تقرأ به ، فأشفق حذيفة مما رأى منهم ، فلما قدم حذيفة المدينة فيما ذكر البخاري وغيره : دخل إلى عثمان بن عفان قبل أن يدخل بيته ، فقال : أدرك هذه الأمة قبل أن تهلك . قال : في ماذا ؟ قال : في كتاب اللّه : إني حضرت هذه الغزوة وجمعت ناسا من العراق ومن الشام ومن الحجاز ، فوصف له ما تقدم ، وقال : إني أخشى عليهم أن يختلفوا في كتابهم كما اختلف اليهود والنصارى . قال عثمان رضى اللّه عنه : افعل . فتجرد للأمر واستناب الكفاة العلماء الفصحاء في أن يكتبوا القرآن ، ويجعلوا ما اختلفت القراءة فيه على أشهر الروايات عن رسول اللّه وأفصح اللغات . وقال لهم : إذا اختلفتم في شئ فاكتبوه بلغة قريش « 5 » . فمعنى هذا إذا اختلفتم فيما روى ، وإلا فمحال أن يحيلهم على اختلاف من قبلهم ، لأنه وضع قرآن ، فكتبوا في القرآن من كل اللغات السبع مرة من هذه ومرة من هذه ، وذلك مقيد بأن الجميع مما روى عن النبي عليه السّلام ، وقرئ عليه ، واستمر الناس على هذا المصحف المتخير وترك ما خرج عنه مما كان كتب ، كقراءة عمر بن الخطاب :

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري ج 1 ص 18 . سورة المزمل : الآية 6 . ( 2 ) أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي ، خادم الرسول ، وأحد المكثرين من الرواية عنه ، كانت إقامته مع النبي صلّى اللّه عليه وآله بالمدينة ، وشهد الفتوح ، ثم قطن البصرة وتوفى بها 91 ه . أسد الغابة ج 1 ص 157 . ( 3 ) سورة الحجر : الآية 9 . ( 4 ) أبو عبد اللّه العبسي ، وردت عنه الرواية في حروف القرآن . توفى بعد عثمان بأربعين يوما 36 ه . طبقات القراء ج 1 ص 203 . ( 5 ) الحديث مذكور بطوله في عمدة القاري ج 20 ص 17 ، وتفسير الطبري ج 1 ص 21 .