مركز الثقافة والمعارف القرآنية
164
علوم القرآن عند المفسرين
حتى اختصم إليه أعرابيان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها . قال ابن عباس : ففهمت حينئذ معنى قوله تعالى : فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 1 » وقال أيضا : ما كنت أدرى معنى قوله : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا « 2 » حتى سمعت بنت ذي يزن « 3 » تقول لزوجها : تعال أفاتحك . أي أحاكمك ، وكذلك قال عمر بن الخطاب : وكان لا يفهم معنى قوله : أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ « 4 » فوقف به فتى ، فقال : إن أبى يتخوفنى حقي ، فقال : عمر : اللّه أكبر : أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ أي على تنقص لهم . وكذلك اتفق لقطبة « 5 » بن مالك إذ سمع النبي عليه السّلام يقرأ في الصلاة : وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ ، ذكره مسلم « 6 » في باب القراءة في صلاة الفجر إلى غير هذا من الأمثلة ، فأباح اللّه تعالى لنبيه هذه الحروف السبعة ، وعارضه بها جبريل في عرضاته على الوجه الذي فيه الإعجاز ، وجودة الوصف ، ولم تقع الإباحة في قوله عليه السّلام : « فاقرءوا ما تيسر منه » . بأن يكون كل واحد من الصحابة إذا أراد أن يبدل اللفظة من بعض هذه اللغات جعلها من تلقاء نفسه ، ولو كان هذا لذهب إعجاز القرآن ، وكان معرضا أن يبدل هذا وهذا حتى يكون غير الذي نزل من عند اللّه ، وإنما وقعت الإباحة في الحروف السبعة لنبيه عليه السّلام ليوسع بها على أمته ، فقرأ مرة لأبي بما عارضه به جبريل ، ومرة لابن مسعود بما عارضه به أيضا . وفي صحيح البخاري عن النبي عليه السّلام قال : « أقرأني جبريل على حرف فراجعته ، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف » « 7 » . وعلى هذا تجىء قراءة عمر بن الخطاب لسورة الفرقان . وقراءة هشام بن حكيم لها ، وإلا فكيف يستقيم أن يقول عليه السّلام في كل قراءة منها وقد اختلفتا : هكذا أقرأني جبريل ؟ . هل ذلك إلا لأنه أقرأه بهذا مرة وبهذا
--> ( 1 ) انظر اللسان مادة فطر . سورة الشورى : الآية 11 . ( 2 ) سورة الأعراف : الآية 89 . ( 3 ) في اللسان مادة فتح ، وعمدة القاري ج 18 ص 232 ، والجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 38 حتى سمعت بنت ذي يزن ، وكذلك في البداية والنهاية ج 2 ص 328 ، وفي نسخة « دنى حذق » ، وترك آرثر جفرى الاسم في المقدمة المطبوعة بدون تصحيح متفقا مع ما جاء في النسخ المخطوطة ، والأصح ما ورد في المصادر الأربعة الأولى . ( 4 ) سورة النحل : الآية 47 . وانظر اللسان مادة خوف . ( 5 ) قطبة بن مالك الثعلبي ، قال البخاري وابن حاتم : له صحبة . الإصابة في تمييز الصحابة ج 5 ص 243 . ( 6 ) انظر صحيح مسلم ج 2 ص 39 . سورة ق : الآية 10 . ( 7 ) انظر عمدة القاري ج 20 ص 20 ، وصحيح مسلم ج 2 ص 202 ، ومسند الإمام أحمد ج 4 ص 116 ، ومسند أبي داود ج 2 ص 75 .