مركز الثقافة والمعارف القرآنية
162
علوم القرآن عند المفسرين
الملك قرأ قراءة بأكثر من سبع طرائق ووجوه » . قال القاضي رضى اللّه عنه في كلامه المتقدم : فجائز أن يقرأ بهذه الوجوه : على اختلافها . قال القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية رضى اللّه عنه : والشرط الذي يصح به هذا القول هو أن تروى عن النبي عليه السّلام . ومال كثير من أهل العلم كأبي عبيد وغيره إلى أن معنى الحديث المذكور ؛ أنه أنزل على سبع لغات لسبع قبائل أثبت فيه من كل لغة منها ، وهذا القول هو المتقرر من كلام القاضي رضي اللّه عنه . وقد ذكر بعضهم قبائل من العرب روما منهم أن يعينوا السبع التي يحسن أن تكون مراده عليه السّلام . نظروا في ذلك بحسب القطر ، ومن جاور منشأ النبي عليه السّلام ، واختلفوا في التسمية وأكثروا . وأنا ألخص الغرض جهدي بحول اللّه ، فأصل ذلك وقاعدته قريش ثم بنو سعد بن بكر ، لأن النبي عليه السّلام قرشي ، واسترضع في بني سعد ، ونشأ فيهم ، ثم ترعرع وعقّت « 1 » تمائمه ، وهو يخالط في اللسان : كنانة ، وهذيلا ، وثقيفا ، وخزاعة ، وأسدا ، وضبة ، وألفافها لقربهم من مكة وتكرارهم عليها ، ثم - بعد هذه - تميما وقيسا ومن انضاف إليهم من وسط جزيرة العرب . فلما بعثه اللّه تعالى ويسر عليه أمر الأحرف ، أنزل عليه القرآن بلغة هذه الجملة المذكورة وهي التي قسمها على سبع لها السبعة الأحرف ، وهي اختلافاتها في العبارات حسبما تقدم . قال ثابت بن قاسم : لو قلنا : من هذه الأحرف لقريش ، ومنها : لكنانة ، ومنها : لأسد ، ومنها : لهذيل ، ومنها : لتميم ، ومنها : لضبة وألفافها ، ومنها : لقيس ، لكان قد أتى على قبائل مضر في مراتب سبع تستوعى اللغات التي نزل بها القرآن . وهذا نحو ما ذكرناه . وهذه الجملة هي التي انتهت إليها الفصاحة وسلمت لغاتها من الدخل ، وسيرها اللّه لذلك ليظهر آية نبيه بعجزها عن معارضة ما أنزل عليه ، وسبب سلامتها أنها في وسط جزيرة العرب ، في الحجاز ، ونجد ، وتهامه ، فلم تطرقها الأمم ، فأما اليمن وهو جنوبي الجزيرة فأفسدت كلام عربه خلطة الحبشة والهنود ، على أن أبا عبيد القاسم بن سلام « 2 » وأبا العباس المبرد « 3 » قد ذكرا : أن عرب اليمن من القبائل التي نزل القرآن
--> ( 1 ) يقال للصبي إذا نشأ مع حي حتى شب وقوى فيهم : عقت تميمته في بني فلان . لسان العرب مادة عقق . ( 2 ) اشتغل بالحديث والأدب والفقه ، يقول ابن خلكان : لا أعلم أحدا طعن عليه في شئ من أمر دينه وهو أول من صنف في غريب الحديث . مات سنة 222 ه . ضحى الإسلام ج 2 ص 222 ، ووفيات الأعيان ج 3 ص 225 . ( 3 ) أبو العباس محمد بن يزيد المبرد ، الأزدي البصري النحوي ، كان إماما في اللغة والنحو له التواليف النافعة