مركز الثقافة والمعارف القرآنية

161

علوم القرآن عند المفسرين

قال الفقيه القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية رضى اللّه عنه : « انتهى ما جمعت من كلام القاضي أبي بكر رضى اللّه عنه ، وإطلاقه البطلان على القول الذي حكاه ، فيه نظر ، لأن المذهب الصحيح الذي قرره آخرا من قوله . ونقول في الجملة : إنما صح وترتب من جهة اختلاف لغات العرب الذين نزل القرآن بلسانهم ، وهو اختلاف ليس بشديد التباين حتى يجهل بعضهم ما عند بعض في الأكثر ، وإنما هو أن قريشا استعملت في عبارتها شيئا ، واستعملت هذيل في ذلك المعنى شيئا غيره ، وسعد بن بكر غيره ، والجميع كلامهم - في الجملة - ولغتهم . واستدلال القاضي رضى اللّه عنه بأن لغة عمر ، وأبي ، وهشام ، وابن مسعود واحدة ، فيه نظر ، لأن ما استعملته قريش في عباراتها ، ومنهم : عمر وهشام ، وما استعملته الأنصار ، ومنهم : أبي ، وما استعملته هذيل ، ومنهم : ابن مسعود قد يختلف . ومن ذلك النحو من الاختلاف هو الاختلاف في كتاب اللّه . فليست لغتهم واحدة في كل شئ . وأيضا فلو كانت لغتهم واحدة بأن نفرضهم جميعا من قبيلة واحدة لما كان اختلافهم حجة على من قال : إن القرآن أنزل على سبع لغات ، لأن مناكرتهم لم تكن لأن المنكر سمع ما ليس في لغته فأنكره ، وإنما كانت لأنه سمع خلاف ما أقرأه النبي عليه السّلام وعساه « 1 » قد أقرأه ما ليس من لغته ، واستعمال قبيلته . فكأن القاضي رحمه اللّه إنما أبطل أن يكون النبي عليه السلام قصد في قوله : على سبعة أحرف عد اللغات التي تختلف بجملتها ، وأن تكون سبعا متباينة لسبع قبائل ، وتقرأ كل قبيلة القرآن كله بحرفها ، ولا تدخل عليه لغة غيرها ، بل قصد النبي عليه السلام عنده عد الوجوه والطرائق المختلفة في كتاب اللّه مرة من جهة لغة ، ومرة من جهة إعراب ، وغير ذلك ، ولا مرية أن هذه الوجوه والطرائق إنما اختلفت لاختلاف في العبارات بين الجملة التي نزل القرآن بلسانها ، وذلك يقال فيه : اختلاف لغات . وصحيح أن يقصد عليه السّلام عد الأنحاء والوجوه التي اختلفت في القرآن بسبب اختلاف عبارات اللغات . وصحيح أن يقصد عد الجماهير والرؤوس من الجملة التي نزل القرآن بلسانها وهي : قبائل مضر ، فجعلها سبعة . وهذا القول أكثر توسعة للنبي عليه السّلام ، لأن الأنحاء تبقى غير محصورة فعسى أن

--> ( 1 ) هكذا في نسخة : « وعسى » .