مركز الثقافة والمعارف القرآنية
146
علوم القرآن عند المفسرين
اختلاف بين القوم ، والمعلم واحد ، والعلم واحد غير ذي أوجه ؟ . وفي صحة الخبر عن الذي روي عنهم الاختلاف في حروف القرآن على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - بأنهم اختلفوا وتحاكموا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك ، على ما تقدم وصفناه - أبين الدلالة على فساد القول بأن الأحرف السبعة إنما هي أحرف سبعة متفرقة في سور القرآن ، لا أنها لغات مختلفة في كلمة واحدة باتفاق المعاني . مع أن المتدبر إذا تدبر قول هذا القائل - في تأويله قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنزل القرآن على سبعة أحرف » ، وادعائه أن معنى ذلك أنها سبع لغات متفرقة في جميع القرآن ، ثم جمع بين قيله ذلك ، واعتلاله لقيله ذلك بالأخبار التي رويت عمن روي ذلك عنه من الصحابة والتابعين ، أنه قال : هو بمنزلة قولك : تعال وهلم وأقبل ، وأن بعضهم ، قال : هو بمنزلة قراءة عبد اللّه « إلّا زقية » ، وهي في قراءتنا « إلا صيحة » ، وما أشبه ذلك من حججه - علم أن حججه مفسدة في ذلك مقالته ، وأن مقالته فيه مضادة حججه . لأن الذي نزل به القرآن عنده إحدى القراءتين - : إما « صيحة » وإما « زقية » ، وإما « تعال » أو « أقبل » أو « هلم » - لا جميع ذلك . لأن كل لغة من اللغات السبع عنده في كلمة أو حرف من القرآن غير الكلمة أو الحرف الذي فيه اللغة الأخرى . وإذ كان ذلك كذلك ، بطل اعتلاله لقوله بقول من قال : ذلك بمنزلة « هلم » و « تعال » و « أقبل » ، لأن هذه الكلمات هي ألفاظ مختلفة ، يجمعها في التأويل معنى واحد . وقد أبطل قائل هذا القول - الذي حكينا قوله - اجتماع اللغات السبع في حرف واحد من القرآن . فقد تبين بذلك إفساد حجته لقوله بقوله ، وإفساد قوله لحجته . قيل له : ليس القول في ذلك بواحد من الوجهين اللذين وصفت ، بل الأحرف السبعة التي أنزل اللّه بها القرآن ، هن لغات سبع ، في حرف واحد ، وكلمة واحدة ، باختلاف الألفاظ ، واتفاق المعاني ، كقول القائل : هلم ، وأقبل ، وتعال ، وإليّ ، وقصدي ، ونحوي ، وقربي ، ونحو ذلك ، مما تختلف فيه الألفاظ بضروب من المنطق ، وتتفق فيه المعاني وإن اختلفت بالبيان به الألسن ، كالذي روينا آنفا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعمن روينا ذلك عنه من الصحابة ، أن ذلك بمنزلة قولك : « هلم ، وتعال ، وأقبل » وقوله : « ما ينظرون إلّا زقية » ،