مركز الثقافة والمعارف القرآنية
141
علوم القرآن عند المفسرين
تلاواتهم من التحليل والتحريم والوعد والوعيد وما أشبه ذلك لكان مستحيلا أن يصوب جميعهم ، ويأمر كل قارئ منهم أن يلزم قراءته في ذلك على النحو الذي هو عليه ، لأن ذلك لو جاز أن يكون صحيحا ، وجب أن يكون اللّه جل ثناؤه قد أمر بفعل شيء بعينه وفرضه في تلاوة من دلّت تلاوته على فرضه ، ونهى عن فعل ذلك الشيء بعينه وزجر عنه في تلاوة الذي دلت تلاوته على النهي والزجر عنه ، وأباح وأطلق فعل ذلك الشيء بعينه وجعل لمن شاء من عباده أن يفعله فعله ، ولمن شاء منهم أن يتركه تركه ، في تلاوة من دلّت تلاوته على التخيير ! . وذلك من قائله إن قاله ، إثبات ما قد نفى اللّه جل ثناؤه عن تنزيله وحكم كتابه فقال : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ، وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً « 1 » . وفي نفي اللّه جل ثناؤه ذلك عن حكم كتابه ، أوضح الدليل على أنه لم ينزل كتابه على لسان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إلا بحكم واحد متفق في جميع خلقه ، لا بأحكام فيهم مختلفة . وفي صحة كون ذلك كذلك ، ما يبطل دعوى من ادعى خلاف قولنا في تأويل قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنزل القرآن على سبعة أحرف » للذين تخاصموا إليه عند اختلافهم في قراءتهم . لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أمر جميعهم بالثبوت على قراءته ، ورضي قراءة كل قارئ منهم - على خلافها قراءة خصومه ومنازعيه فيها - وصوبها . ولو كان ذلك منه تصويبا فيما اختلفت فيه المعاني ، وكان قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنزل القرآن على سبعة أحرف » إعلاما منه لهم ، أنه نزل بسبعة أوجه مختلفة ، وسبعة معان مفترقة - كان ذلك إثباتا لما قد نفى اللّه عن كتابه من الاختلاف ، ونفيا لما قد أوجب له من الائتلاف . مع أن في قيام الحجة بأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يقض في شيء واحد في وقت واحد بحكمين مختلفين ، ولا أذن بذلك لامته - ما يغني عن الإكثار في الدلالة على أن ذلك منفي عن كتاب اللّه . وفي انتفاء ذلك عن كتاب اللّه ، وجوب صحة القول الذي قلناه ، في معنى قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « أنزل القرآن على سبعة أحرف » ، عند اختصام المختصمين إليه فيما اختلفوا فيه من تلاوة ما تلوه من القرآن ، وفساد تأويل قول من خالف قولنا في ذلك .
--> ( 1 ) سورة النساء : الآية 82 .