مركز الثقافة والمعارف القرآنية
14
علوم القرآن عند المفسرين
عثمان كل مصحف من يوافق قراءته في الأكثر وليس بلازم . وقرأ كل مصر بما في مصحفهم ، وتلقوا ما فيه من الصحابة الذين تلقوه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . ثم تجرد للأخذ عن هؤلاء قوم أسهروا ليلهم في ضبطها ، وأتعبوا نهارهم في نقلها ، حتى صاروا في ذلك أئمة للاقتداء . وأنجما للاهتداء ، وأجمع أهل بلدهم على قبول قراءتهم ، ولم يختلف عليهم اثنان في صحة روايتهم ودرايتهم . ولتصديهم للقراءة نسب إليهم ، وكان المعول فيها عليهم . ثم إن القراء بعد هؤلاء كثروا ، وفي البلاد انتشروا ، وخلفهم أمم بعد أمم ، وعرفت طبقاتهم ، واختلفت صفاتهم ، فكان منهم المتقن للتلاوة المشهور بالرواية والدراية ، ومنهم المحصل لوصف واحد . ومنهم المحصل لأكثر من واحد ، فكثر بينهم لذلك الاختلاف ، وقل منهم الائتلاف . فقام عند ذلك جهابذة الأمة ، وصناديد الأئمة ، فبالغوا في الاجتهاد بقدر الحاصل ، وميزوا بين الصحيح والباطل ، وجمعوا الحروف والقراءات ، وعزوا الأوجه والروايات ، وبينوا الصحيح والشاذ ، والكثير والفاذ بأصول أصلوها ، وأركان فصلوها ، الخ اه » . « 1 » قال ابن تيمية : « أما قول السائل : ما السبب الذي أوجب الاختلاف بين القراء فيما احتمله خط المصحف ؟ فهذا مرجعه إلى النقل واللغة العربية ، لتسويغ الشارع لهم القراءة بذلك كله ، إذ ليس لأحد أن يقرأ قراءة بمجرد رأيه : بل القراءة سنة متبعة ، وهم إذا اتفقوا على اتباع القرآن المكتوب في المصحف الإمامي « 2 » وقد قرأ بعضهم بالياء وبعضهم بالتاء لم يكن واحد منهما خارجا عن المصحف . ومما يوضح ذلك أنهم يتفقون في بعض المواضع على ياء أو تاء ، ويتنوعون في بعض ، كما اتفقوا في قوله تعالى : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ « 3 » في موضع وتنوعوا في موضعين ، وقد بينا أن القراءتين كالآيتين ، فزيادة القراءات كزيادة الآيات ، لكن إذا كان الخط واحدا واللفظ محتملا كان ذلك أخصر في الرسم .
--> ( 1 ) مقدمة البحر المحيط ج 1 ص 77 - 78 . ( 2 ) نسبة إلى عثمان بن عفان . وهذا المصحف إمام لكل ما يكتب بعده من المصاحف . ( 3 ) سورة البقرة : الآية 85 و 140 و 149 ، سورة آل عمران : الآية 99 .