مركز الثقافة والمعارف القرآنية

15

علوم القرآن عند المفسرين

والاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب لا على المصاحف ، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن ربي قال لي أن قم في قريش فأنذرهم . فقلت : أي رب ! إذا يثلغوا رأسي - أي يشدخوا - فقال : إني مبتليك ومبتل بك ، ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء ، تقرؤه نائما ويقظانا ، فابعث جندا أبعث مثليهم ، وقاتل بمن أطاعك من عصاك ، وأنفق أنفق عليك « 1 » » فأخبر أن كتابه لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء ، بل يقرؤه في كل حال كما جاء في نعت أمته : « أنا جيلهم في صدورهم » بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب ، ولا يقرءونه كله إلا نظرا لا عن ظهر قلب . . . . . . وسبب تنوع القراءات فيما احتمله خط المصحف هو تجويز الشارع وتسويغه ذلك لهم ، إذ مرجع ذلك إلى السنة والاتباع ، لا إلى الرأي والابتداع . أما إذا قيل : أن ذلك هي الأحرف السبعة فظاهر . وكذلك بطريق الأولى إذا قيل : إن ذلك حرف من الأحرف السبعة ، فإنه إذا كان قد سوغ لهم أن يقرءوه على سبعة أحرف كلها شاف كاف مع تنوع الأحرف في الرسم ، فلأن يسوغ ذلك مع اتفاق ذلك في الرسم وتنوعه في اللفظ أولى وأحرى ، وهذا من أسباب تركهم المصاحف أول ما كتبت غير مشكولة ولا منقوطة ، لتكون صورة الرسم محتملة للأمرين ، كالتاء والياء ، والفتح والضم ، وهم يضبطون باللفظ كلا الأمرين ، وتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المسموعين المتلوين شبيهة بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المنقولين المعقولين المفهومين ، فإن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تلقوا عنه ما أمره اللّه بتبليغه إليهم من القرآن لفظه ومعناه جميعا ، كما قال أبو عبد الرحمن السلمى « 2 » - وهو الذي روى عن عثمان رضى اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « خيركم من تعلم القرآن وعلمه » « 3 » .

--> ( 1 ) ورد هذا الحديث في : ابن حنبل ج 4 ص 62 ، مسلم ( كتاب الجنة ) . ( 2 ) عبد اللّه بن حبيب بن ربيعة ( أبو عبد الرحمن السلمى ) الضرير . مقرئ الكوفة . ولد في حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وثبت لأبيه شرف الصحبة ، انتهت إليه القراءة تجويدا وضبطا . أخذ عن عثمان بن عفان وعن علي بن أبي طالب وابن مسعود وزيد بن ثابت . أخذ عنه عاصم والحسن والحسين رضى اللّه عنهما . توفي سنة 73 أو 74 . انظر : غاية النهاية في طبقات القراء للجزري ج 1 ص 413 - 414 ، مفتاح السعادة ج 2 ص 21 - 22 ( 3 ) « خيركم من تعلم القرآن وعلمه » أورده البخاري بروايات مختلفة وفي مواضع مختلفة ، انظر ( كتاب فضائل القرآن . باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه ) ج 6 ص 236 ، وأورده أبو داود ( كتاب الوتر ) والترمذي ( كتاب ثواب القرآن ) وابن ماجة ( المقدمة ) ، والدارمي ( فضائل القرآن ) ، ابن حنبل ج 1 ص 57 .