مركز الثقافة والمعارف القرآنية
116
علوم القرآن عند المفسرين
يطالب بدليل ، ولا سيما إذا كانت دعوى التواتر مما يكذبها الوجدان ؟ وأعجب من جميع ذلك أن يحكم مفتي الديار الأندلسية أبو سعيد بكفر من أنكر تواترها ! ! ! لنفرض أن القراءات متواترة ، عند الجميع ، فهل يكفر من أنكر تواترها إذا لم تكن من ضروريات الدين ، ثم لنفرض أنها بهذا التواتر الموهوم أصبحت من ضروريات الدين ، فهل يكفر كل أحد بانكارها حتى من لم يثبت عنده ذلك ؟ ! اللهم ان هذه الدعوى جرأة عليك ، وتعد لحدودك وتفريق لكلمة أهل دينك ! ! ! . أدلة تواتر القراءات : واما القائلون بتواتر القراءات السبع فقد استدلوا على رأيهم بوجوه : الأول : دعوى قيام الاجماع عليه من السلف إلى الخلف . وقد وضح للقارئ فساد هذه الدعوى ، على أن الاجماع لا يتحقق باتفاق أهل مذهب واحد عند مخالفة الآخرين . وسنوضح ذلك في الموضع المناسب إن شاء اللّه تعالى . الثاني : ان اهتمام الصحابة والتابعين بالقرآن يقضي بتواتر قراءته ، وإن ذلك واضح لمن أنصف من نفسه وعدل . الجواب : ان هذا الدليل إنما يثبت تواتر نفس القرآن ، لا تواتر كيفية قراءته ، وخصوصا مع كون القراءة عند جمع منهم مبتنية على الاجتهاد ، أو على السماع ولو من الواحد ، وقد عرفت ذلك مما تقدم ، ولولا ذلك لكان مقتضى هذا الدليل أن تكون جميع القراءات متواترة ، ولا وجه لتخصيص الحكم بالسبع أو العشر . وسنوضح لقارئ ان حصر القراءات في السبع إنما حدث في القرن الثالث الهجري ، ولم يكن له قبل هذا الزمان عين ولا أثر ، ولازم ذلك أن نلتزم إما بتواتر الجميع من غير تفرقة بين القراءات ، وإما بعدم تواتر شيء منها في مورد الاختلاف ، والأول باطل قطعا فيكون الثاني هو المتعين . الثالث : ان القراءات السبع لو لم تكن متواترة لم يكن القرآن متواترا ، والتالي باطل بالضرورة فالمقدم مثله ووجه التلازم أن القرآن إنما وصل الينا بتوسط حفاظه والقراء المعروفين ، فان كانت قراءاتهم متواترة فالقرآن متواتر ، وإلا فلا . وإذن فلا محيص من