مركز الثقافة والمعارف القرآنية

92

علوم القرآن عند المفسرين

فناسب ما نسب من ذلك إلى إحدى الأمتين أو كلتيهما محقّ غير مبطل . فإن ظن ذو غباء أنّ اجتماع ذلك في الكلام مستحيل - كما هو مستحيل في أنساب بني آدم - فقد ظنّ جهلا . وذلك أن أنساب بني آدم محصورة على أحد الطرفين دون الآخر ، لقول اللّه تعالى ذكره : ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ « 1 » وليس ذلك كذلك في المنطق والبيان ، لأنّ المنطق إنما هو منسوب إلى من كان به معروفا استعماله . فلو عرف استعمال بعض الكلام في أجناس من الأمم - جنسين أو أكثر - بلفظ واحد ومعنى واحد ، كان ذلك منسوبا إلى كل جنس من تلك الأجناس ، لا يستحق جنس منها أن يكون به أولى من سائر الأجناس غيره . كما لو أنّ أرضا بين سهل وجبل ، لها هواء السهل وهواء الجبل ، أو بين برّ وبحر ، لها هواء البر وهواء البحر - لم يمتنع ذو عقل صحيح أن يصفها بأنها سهلية جبلية ، أو بأنها بريّة بحرية ، إذ لم تكن نسبتها إلى إحدى صفتيها نافية حقّها من النسبة إلى الأخرى . ولو أفرد لها مفرد إحدى صفتيها ولم يسلبها صفتها الأخرى ، كان صادقا محقّا . وكذلك القول في الأحرف التي تقدم ذكرناها في أول هذا الباب . وهذا المعنى الذي قلناه في ذلك ، هو معنى قول من قال : في القرآن من كل لسان - عندنا بمعنى - واللّه أعلم : أنّ فيه من كلّ لسان اتفق فيه لفظ العرب ولفظ غيرها من الأمم التي تنطق به ، نظير ما وصفنا من القول فيما مضى . وذلك أنه غير جائز أن يتوهّم على ذي فطرة صحيحة ، مقرّ بكتاب اللّه - ممن قد قرأ القرآن وعرف حدود اللّه - أن يعتقد أنّ بعض القرآن فارسي لا عربيّ ، وبعضه نبطي لا عربيّ ، وبعضه روميّ لا عربيّ ، وبعضه حبشي لا عربي ، بعد ما أخبر اللّه تعالى ذكره عنه أنه جعله قرآنا عربيّا . لأن ذلك إن كان كذلك ، فليس قول القائل : القرآن حبشيّ أو فارسيّ ، ولا نسبة من نسبه إلى بعض ألسن الأمم - التي بعضه بلسانها دون العرب - بأولى بالتطويل من قول القائل : هو عربي . ولا قول القائل : هو عربيّ بأولى بالصّحة والصواب من قول ناسبه إلى بعض الأجناس التي ذكرنا . إذ كان الذي بلسان غير العرب من سائر ألسن أجناس الأمم فيه ،

--> ( 1 ) سورة الأحزاب : الآية 5 .