مركز الثقافة والمعارف القرآنية
91
علوم القرآن عند المفسرين
أصل ذلك كان من عنده من الجنس الآخر . والمدّعي أن مخرج أصل ذلك إنما كان من أحد الجنسين إلى الآخر ، مدّع أمرا لا يوصل إلى حقيقة صحّته إلا بخبر يوجب العلم ، ويزيل الشكّ ، وتقطع العذر صحّته . بل الصواب في ذلك عندنا : أن يسمّى : عربيّا أعجميّا ، أو حبشيّا عربيّا ، إذ كانت الأمّتان له مستعملتين - في بيانها ومنطقها - استعمال سائر منطقها وبيانها . فليس غير ذلك من كلام كلّ أمة منهما ، بأولى أن يكون إليها منسوبا - منه . فكذلك سبيل كل كلمة واسم اتفقت ألفاظ أجناس أمم فيها وفي معناها ، ووجد ذلك مستعملا في كل جنس منها استعمال سائر منطقهم ، فسبيل إضافته إلى كل جنس منها ، سبيل ما وصفنا - من الدرهم والدينار والدواة والقلم ، التي اتفقت ألسن الفرس والعرب فيها بالألفاظ الواحدة والمعنى الواحد ، في أنه مستحقّ إضافته إلى كل جنس من تلك الأجناس - اجتماع واقتران . وذلك هو معنى من روينا عنه القول في الأحرف التي مضت في صدر هذا الباب ، من نسبة بعضهم بعض ذلك إلى لسان الحبشة ، ونسبة بعضهم بعض ذلك إلى لسان الفرس ، ونسبة بعضهم بعض ذلك إلى لسان الروم . لأنّ من نسب شيئا من ذلك إلى ما نسبه إليه ، لم ينف - بنسبته إياه إلى ما نسبه إليه - أن يكون عربيّا ، ولا من قال منهم : هو عربيّ ، نفى ذلك أن يكون مستحقّا النسبة إلى من هو من كلامه من سائر أجناس الأمم غيرها . وإنما يكون الإثبات دليلا على النفي ، فيما لا يجوز اجتماعه من المعاني ، كقول القائل : فلان قائم ، فيكون بذلك من قوله دالّا على أنه غير قاعد ، ونحو ذلك مما يمتنع اجتماعه لتنافيهما . فأمّا ما جاز اجتماعه فهو خارج من هذا المعنى . وذلك كقول القائل : فلان قائم مكلّم فلانا ، فليس في تثبت القيام له ما دلّ على نفي كلام آخر ، لجواز اجتماع ذلك في حال واحد من شخص واحد . فقائل ذلك ، صادق إذا كان صاحبه على ما وصفه به . فكذلك ما قلنا - في الأحرف التي ذكرنا وما أشبهها - : غير مستحيل أن يكون عربيّا بعضها أعجميّا ، وحبشيّا بعضها عربيّا ، إذ كان موجودا استعمال ذلك في كلتا الأمتين .