مركز الثقافة والمعارف القرآنية

42

علوم القرآن عند المفسرين

وجوده من التحقق بالصفات السبع ، وأما قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ « 1 » فهو إشارة إلى أن العبد إذا تجلى عليه الرحمن وجد لذة رحمانية تكسبه معرفة قرآنية ، فلا يعلم الحق إلا من طريق أسمائه وصفاته ، وأما الفرقان عندهم فإشارة إلى حقيقة الأسماء والصفات على اختلاف تنوّعاتها فباعتباراتها تتميز كل صفة واسم من غيرها ، فحصل الفرق في نفس الحق من حيث أسماؤه وصفاته ، فإن اسمه المنعم غير اسمه المنتقم وصفة الرضا غير صفة الغضب وإليه الإشارة بقوله : « سبقت رحمتي غضبي » وهي متفاوتة المراتب في الفضل نظرا إلى أعيانها لا باعتبار أن في شيء منها نقصا أو مفضولية ، ولهذا حكمت بعضها على بعض كما يشير إليه قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « أعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك » فكانت المعافاة أفضل من العقوبة والرضا أفضل من السخط فأعاذه بالفاضل مما يليه ، وكذا أعاذه بذاته من ذاته ، فكما أن الفرق حاصل في الأفعال كذلك في الصفات ، بل في نفس واحدية الذات التي لا فرق فيها لكن من غريب شأنها جمعها النقيضين . قال أبو سعيد : عرفت اللّه تعالى بجمعه بين الضدين ، ولكونه صلّى اللّه عليه وسلم مظهرا للقرآن والفرقان كان خاتم النبيين ، وإمام المرسلين . لأنه ما ترك شيئا يحتاج إليه إلا وقد جاء به ، فلا يجد الذي يأتي بعده من الكمال شيئا مما ينبغي أن ينبّه عليه . قال تعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ « 2 » . وقال تعالى : وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا « 3 » . إلى غير ذلك من الآيات . وقد يقال : القرآن والفرقان إشارتان إلى مقام الجمع والفرق بأقسامهما . قالوا : ولا بد للعبد الكامل منهما . فإن من لا تفرقة له لا عبودية له . ومن لا جمع له لا معرفة له . والجمع عندهم شهود الأشياء باللّه تعالى . والتبرّي من الحول والقوة إلا باللّه ، وجمع الجمع الاستهلاك بالكلية والفناء عما سوى اللّه تعالى وهو المرتبة الأحدية ، والفرق أنواع ، فرق أول : وهو الاحتجاب بالخلق عن الحق وبقاء رسوم الخليقة بحالها ، وفرق ثان : وهو شهود قيام الخلق بالحق ورؤية الوحدة في الكثرة والكثرة في الوحدة من غير احتجاب إحداهما

--> ( 1 ) سورة الرحمن : الآية 1 و 2 . ( 2 ) سورة الأنعام : الآية 38 . ( 3 ) سورة الإسراء : الآية 12 .