مركز الثقافة والمعارف القرآنية

41

علوم القرآن عند المفسرين

للحقائق الكلية ، ولعل من عرّفه بالكلام المنزل للإعجاز بسورة منه ، أراد تصوير مفهوم لفظ القرآن وكذا من قال كالغزالي : إنه ما نقل بين دفتي المصحف تواترا ، أراد تخصيص الاسم بأحد الأقسام الثلاثة مما نقل بين الدفتين ومما لم ينقل ، كالمنسوخ تلاوته نحو - إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة - وما نقل ولم يتواتر نحو - ثلاثة أيام متتابعات - ليعلم أن ذلك هو الدليل وعليه الأحكام من نحو منع التلاوة والمس محدثا ، وإلا فيرد على الأول إن أريد التمييز أن كونه للإعجاز ليس لازما بيّنا إذ لا يعرفه إلا الأفراد من العلماء فضلا عن أن يكون ذاتيا ، فكيف يصح لتعريف الحقيقة وتمييزها وهو إنما يكون بالذاتيات أو باللوازم البيّنة ، وأيضا أن معرفة السورة منه متوقفة على معرفته فيدور . ويرد على الثاني مثل ثاني ما ورد على الأول ، إذ معرفة المصحف موقوفة على معرفة القرآن إذ ليس هو إلا ما كتب فيه القرآن فأخذه في تعريفه دور أيضا ، هذا وقد قال ساداتنا الصوفية أفاض اللّه تعالى علينا من فتوحاتهم القدسية : إن القرآن إشارة إلى الذات التي يضمحل بها جميع الصفات ، فهي المجلى المسمى بالأحدية أنزلها الحق تعالى شأنه على نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ليكون مشهد الأحدية من الأكوان ، ومعنى هذا الإنزال أن الحقيقة الأحدية المتعالية في ذراها ظهرت فيه صلّى اللّه عليه وسلم بكمالها وما ادخر عنه شيء ، بل أفيض عليه الكل كرما إلهيا ذاتيا ووصف القرآن في بعض الآيات بالكريم لذلك ، إذ أي كرم يضاهي هذا الكرم ، وأنّى تقاس هذه النعمة بسائر النعم ، وأما القرآن الحكيم فهوية الحقائق الإلهية يعرج العبد بالتحقق بها في الذات شيئا فشيئا على ما اقتضته الحكمة ، وإلى ذلك أشار الحق تعالى بقوله : وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا « 1 » ، وهذا الحكم لا ينقطع أبدا ، إذ لا يزال العبد في ترقّ والحق في تجل فسبحان من لا تقيده الأكوان وهو كل يوم في شان ، وأما القرآن العظيم في قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ « 2 » فهو إشارة إلى الجملة الذاتية لا باعتبار النزول ولا باعتبار المكانة ، بل مطلق الأحدية الذاتية التي هي في مطلق الهويّة الجامعة لجميع المراتب والصفات والشؤون والاعتبارات ولهذا قرن بالعظيم ، وأما السبع المثاني فهو ما ظهر عليه في

--> ( 1 ) سورة الفرقان : الآية 32 . ( 2 ) سورة الحجر : الآية 87 .