مركز الثقافة والمعارف القرآنية
134
علوم القرآن عند المفسرين
كلاما مجازا لدلالته على ما هو كلام حقيقي حتى صرحوا بأن الألفاظ خاصة حادثة على مذهبه أيضا لكنها ليست كلامه حقيقة ، وهذا الذي فهموه من كلام الشيخ له لوازم كثيرة فاسدة ، كعدم تكفير من أنكر كلامية ما بين دفتي المصحف مع أنه علم من الدين ضرورة كونه كلام اللّه تعالى حقيقة ، وكعدم المعارضة والتحدي بكلام اللّه الحقيقي ، وكعدم كون المقروء والمحفوظ كلامه حقيقة ، إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتفطن في الاحكام الدينية ، فوجب حمل كلام الشيخ على أنه أراد به المعنى الثاني فيكون الكلام النفسي عنده أمرا شاملا للفظ والمعنى جميعا قائما بذات اللّه تعالى ، وهو مكتوب في المصاحف مقروء بالألسن محفوظ في الصدور وهو غير الكتابة والقراءة والحفظ الحادثة . وما يقال من أن الحروف والألفاظ مترتبة متعاقبة ، فجوابه أن ذلك الترتب إنما هو في التلفظ بسبب عدم مساعدة الآلة ، فالتلفظ حادث والأدلة الدالة على الحدوث يجب حملها على حدوثه دون حدوث الملفوظ جمعا بين الأدلة ، وهذا الذي ذكرناه وإن كان مخالفا لما عليه متأخرو أصحابنا إلا أنه بعد التأمل تعرف حقّيته انتهى . واعترضه الدواني بوجوه قال : أما أولا - فلأنّ مذهب الشيخ أن كلامه تعالى واحد وليس بأمر ولا نهى ولا خبر وإنما يصير أحد هذه الأمور بحسب التعلق ، وهذه الأوصاف لا تنطبق على الكلام اللفظي وإنما يصح تطبيقها على المعنى المقابل للفظ بضرب من التكلف . وأما ثانيا - فلأنّ كون الحروف والالفاظ قائمة بذاته تعالى من غير ترتب يفضى إلى كون الأصوات مع كونها أعراضا سيّالة موجودة بوجود لا تكون فيه سيّالة ، وهو سفسطة من قبيل أن يقال الحركة توجد في بعض الموضوعات من غير ترتب وتعاقب بين أجزائها . وأما ثالثا - فلأنه يؤدى إلى أن يكون الفرق بين ما يقوم بالقارئ من الالفاظ ، وبين ما يقوم بذاته تعالى باجتماع الأجزاء وعدم اجتماعها بسبب قصور الآلة فنقول : هذا الفرق إن أوجب اختلاف الحقيقة فلا يكون القائم بذاته من جنس الالفاظ ، وإن لم يوجب وكان ما يقوم بالقارئ وما يقوم بذاته تعالى حقيقة واحدة ، والتفاوت بينهما إنما يكون باجتماعه وعدم اللذين هما من عوارض الحقيقة الواحدة كان بعض صفاته الحقيقة