مركز الثقافة والمعارف القرآنية
117
علوم القرآن عند المفسرين
منهما ، فيكون مشتركا اشتراكا لفظيا ، أو حقيقة في القدر المشترك بينهما ، وهي الأسماء المتواطئة وهي الأسماء العامة كلها . وعلى الأول يلزم المجاز . وعلى الثاني يلزم الاشتراك . وكلاهما خلاف الأصل . فوجب أن يجعل من المتواطئة . وبهذا يعرف عموم الأسماء العامة كلها . وإلّا كثرة الاستعمال في ميل الحيوان . لكن يستعمل مقيدا بما يبين أنه أريد ميل الجماد . والقدر المشترك بين مسميات الأسماء المواطئة أمر كلى عام . لا يوجد كليّا عاما إلا في الذهن . وهو مورد التقسيم بين الأنواع . لكن ذلك المعنى العام الكلى كان أهل اللغة لا يحتاجون إلى التعبير عنه . لأنهم إنما يحتاجون إلى ما يوجد في الخارج ، وإلى ما يوجد في القلوب في العادة ، وما لا يكون في الخارج إلا مضافا إلى غيره ، لا يوجد في الذهن مجردا . بخلاف لفظ الإنسان والفرس ، فإنه لما كان يوجد في الخارج غير مضاف تعوّدته الأذهان ، ومسمى الفرس بخلاف تصور مسمى الإرادة ومسمى العلم ومسمى القدرة ومسمى الوجود المطلق العام . فإن هذا لا يوجد في اللغة لفظ مطلق يدل عليه ، بل لا يوجد لفظ الإرادة إلا مقيدا بالمريد . ولا لفظ إلا مقيدا بالعالم . ولا لفظ القدرة إلا مقيدا بالقادر . بل وهكذا سائر الأعراض ، لمّا لم توجد الا في محالها مقيدة بها ، لم يكن في اللغة لفظ إلا كذلك . فلا يوجد في اللغة لفظ السواد والبياض ، والطول والقصر إلا مقيدا بالأسود والأبيض والطويل والقصير . ونحو ذلك . لا مجردا عن كل قيد . وإنما يوجد مجردا في كلام المصنفين في اللغة . لأنهم فهموا من كلام أهل اللغة ما يريدون به من القدر المشترك . ومنه قوله تعالى : فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ « 1 » فإن من الناس من يقول : الذوق حقيقة في الذوق بالفم . واللباس مما يلبس على البدن ، وإنما استعير هذا وهذا وليس كذلك ، بل قال الخليل : الذوق في لغة العرب هو وجود طعم الشيء . والاستعمال يدل على ذلك . قال تعالى : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ « 2 » وقال : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ « 3 » وقال فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها « 4 » وقال :
--> ( 1 ) سورة النحل : الآية 112 . ( 2 ) سورة السجدة : الآية 21 . ( 3 ) سورة الدخان : الآية 49 . ( 4 ) سورة الطلاق : الآية 9 .