مركز الثقافة والمعارف القرآنية
111
علوم القرآن عند المفسرين
الإنسان ظهرا لظهوره ، وبطن الإنسان بطنا لبطونه ، فإذا قيل : إن هذه حقيقة ، وذاك مجاز ، لم يكن هذا أولى من العكس . وأيضا من الأسماء ما تكلم به أهل اللغة مفردا ، كلفظ الإنسان ونحوه . ثم قد يستعمل مقيدا بالإضافة - كقولهم : إنسان العين ، وإبرة الذراع ، ونحو ذلك - وبتقدير أن يكون في اللغة حقيقة ومجاز ، فقد ادعى بعضهم أن هذا من المجاز ، وهو غلط فإن المجاز ؛ هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أولا ، وهذا لم يستعمل اللفظ بل ركب مع لفظ آخر ، فصار وضعا آخر بالإضافة . فلو استعمل مضافا في معنى ، ثم استعمل بتلك الإضافة في غيره ، كان مجازا . بل إذا كان ( بعلبك وحضر موت ونحوهما ) مما يركب تركيب مزج - بعد أن كان الأصل فيه الإضافة - لا يقال : إنه مجاز ، فما لم ينطق به إلا مضافا أولى أن لا يكون مجازا . وأما من فرّق بين الحقيقة والمجاز ، بأن الحقيقة : ما يفيد المعنى مجردا عن القرائن ، والمجاز : ما لا يفيد ذلك المعنى إلا مع قرينة . أو قال : الحقيقة ما يفيده اللفظ المطلق ، والمجاز ما لا يفيد إلا مع التقييد . أو قال : الحقيقة هو المعنى الذي يسبق إلى الذهن عند الإطلاق ، والمجاز ما لا يسبق إلى الذهن . أو يقال : المجاز ما صح نفيه ، والحقيقة ما لم يصح نفيها . فإنه يقال : ما تعنى بالتجريد عن القرائن ، والاقتران بالقرائن ؟ إن عنى بذلك : القرائن اللفظية ، مثل كون الاسم يستعمل مقرونا بالإضافة ، أو لام التعريف ، ويفيد بكونه فاعلا ومفعولا ومبتدأ وخبرا ، فلا يوجد قط في الكلام المؤلف اسم إلا مقيدا . وكذلك الفعل ، إن عنى بتقييده أنه لا بدّ له من فاعل . وقد يقيد بالمفعول به ، وظرفي الزمان والمكان ، والمفعول له ومعه ، والحال ، فالفعل لا يستعمل قط إلا مقيدا . وأما الحرف فأبلغ ، فإن الحرف أتى به لمعنى في غيره . ففي الجملة لا يوجد قط - في كلام تام - اسم ولا فعل ولا حرف إلا مقيدا بقيود تزيل عنه الإطلاق . فإن كانت القرينة ما يمنع الإطلاق عن كل قيد ، فليس في الكلام الذي يتكلم به جميع الناس لفظ مطلق عن كل قيد ، سواء كانت الجملة اسمية أو فعلية . فلهذا كان لفظ الكلام والكلمة في لغة العرب - بل وفي لغة غيرهم - لا تستعمل إلا في المقيد ؛ وهو الجملة التامة - اسميّة كانت أو فعلية أو ندائية - إن قيل : إنها قسم ثالث . فأما مجرد الاسم والفعل أو الحرف الذي جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل ، فهذا لا يسمى في كلام العرب قط كلمة ، وإنما تسمية هذا ( كلمة ) اصطلاح نحوىّ - كما سمّوا