مركز الثقافة والمعارف القرآنية
110
علوم القرآن عند المفسرين
الشمس ، والعين النابعة والعين الذهب ، للمشابهة ، لكن أكثرهم يقولون : إنّ هذا من باب المشترك ، لا من باب الحقيقة والمجاز ، فيمثل بغيره مثل لفظ الرأس . يقولون : هو حقيقة في رأس الإنسان . ثم قالوا : رأس الدرب - لأوّله - ، ورأس العين - لمنبعها - ، ورأس القوم - لسيدهم - ، ورأس الأمر - لأوّله ، ورأس الحول . . . وأمثال ذلك على طريق المجاز . وهم لا يجدون قط أن لفظ الرأس استعمل مجردا ، بل يجدون أنه استعمل بالقيود في رأس الإنسان ، كقوله تعالى : وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ « 1 » ونحوه . وهذا القيد يمنع أن يدخل فيه تلك المعاني . فإذا قيل : رأس العين ، ورأس الدرب ، ورأس الناس ورأس الأمر . . . ، فهذا المقيد غير ذاك المقيد ، ومجموع اللفظ الدال هنا غير مجموع اللفظ الدال هناك ، لكن اشتركا في بعض اللفظ كاشتراك كل الأسماء المعرفة في لام التعريف . ولو قدر أن الناطق باللغة نطق بلفظ رأس الإنسان أولا ، لأن الإنسان يتصور رأسه قبل غيره ، والتعبير أولا هو عما يتصوره أولا . فالنطق بهذا المضاف أولا لا يمنع أن ينطق بمضاف إلى غيره ثانيا ، ولا يكون هذا من المجاز كما في سائر المضافات . فإذا قيل : ابن آدم ، أولا ، لم يكن قولنا ، ابن الفرس ، وابن الحمار ، مجازا . وكذلك إذا قيل : بنت الإنسان ، لم يكن قولنا بنت الفرس - مجازا . وكذلك إذا قيل : رأس الإنسان أولا ، لم يكن قولنا ، رأس الفرس - مجازا . وكذلك في سائر المضافات ، إذا قيل : يده أو رجله . فإذا قيل : هو حقيقة فيما أضيف إلى الحيوان . قيل : ليس جعل هذا هو الحقيقة بأولى من أن يجعل ما أضيف إلى رأس الإنسان ، ثم يضاف إلى ما يتصوره أكثر الناس من الحيوانات الصغار التي لم يخطر ببال عامّة الناطقين باللغة . فإذا قيل : إنه حقيقة في هذا ، فلما ذا لا يكون حقيقة في رأس الجبل ، والطريق ، والعين ؟ وكذلك سائر ما يضاف إلى الإنسان من أعضائه وأولاده ومساكنه ، يضاف مثله إلى غيره ، ويضاف ذلك إلى الجمادات ، فيقال : رأس الجبل ، ورأس العين ، وخطم الجبل - أي أنفه - وفم الوادي ، وبطن الوادي ، وظهر الجبل ، وبطن الأرض وظهرها ، ويستعمل مع الأنف ، وهو لفظ الظاهر والباطن في أمور كثرة . والمعني في الجميع : أنّ الظاهر لما ظهر فتبين ، والباطن لما بطن فخفى . وسمى ظهر
--> ( 1 ) سورة المائدة : الآية 6 .