مركز الثقافة والمعارف القرآنية
109
علوم القرآن عند المفسرين
فيها دالا على المعنى بالعرف لا باللغة . وذلك المعنى يكون تارة أعمّ من اللغوي ، وتارة أخصّ ، وتارة لا يكون مباينا له ، لكن بينهما علاقة استعمل لأجلها . فالأول مثل لفظ : الرقبة والرأس ونحوهما . كان يستعمل في العضو المخصوص ، ثم صار يستعمل في جميع البدن . والثاني مثل لفظ : الدابة ونحوها . كان يستعمل في كل مادب ، ثم صار يستعمل ، في عرف بعض الناس ، في ذوات الأربع . وفي عرف بعض الناس ، في الفرس ، وفي عرف بعضهم ، في الحمار . والثالث مثل لفظ : الغائط ، والظعينة ، والراوية ، والمزادة . فإن الغائط - في اللغة - هو المكان المنخفض من الأرض . فلما كانوا ينتابونه لقضاء حوائجهم ، سموا ما يخرج من الإنسان باسم محلّه . والظعينة اسم للدابة ، ثم سموا المرأة التي تركبها باسمها ، ونظائر ذلك . والمقصود : أن هذه الحقيقة العرفية لم تصر حقيقة لجماعة تواطئوا على نقلها ، ولكن تكلم بها بعض الناس وأراد بها ذلك المعنى العرفي . ثم شاع الاستعمال فصارت حقيقة عرفية بهذا الاستعمال . ولهذا زاد ، من زاد منهم ، في حد الحقيقة : في اللغة التي بها التخاطب . ثم هم يعلمون ويقولون : إنه قد يغلب الاستعمال على بعض الألفاظ ، فيصير المعنى أشهر فيه ، ولا يدل عند الإطلاق إلا عليه ، فتصير الحقيقة العرفية ناسخة للحقيقة اللغوية . واللفظ مستعمل في هذا الاستعمال الحادث العرفي ، وهو حقيقة من غير أن يكون لما استعمل فيه ذلك تقدم وضع . فعلم أن تفسير الحقيقة بهذا لا يصح ، وإن قالوا : يعني ، بما وضع له ، ما استعملت فيه أولا . فيقال : من أين يعلم أن هذه الألفاظ التي كانت العرب تتخاطب بها عند نزول القرآن وقبله ، لم تستعمل قبل ذلك في معنى شيء آخر ؟ وإذا لم يعلموا هذا النفي ، فلا تعلم أنها حقيقة ، وهذا خلاف ما اتفقوا عليه . وأيضا فيلزم من هذا أن لا يقطع بشيء من الألفاظ أنه حقيقة ، وهذا لا يقوله عاقل . ثم هؤلاء الذين يقولون هذا ، نجد أحدهم يأتي إلى ألفاظ لم يعلم أنها استعملت إلا مقيدة ، فينطق بها مجردة عن جميع القيود ، ثمّ يدعى أنّ ذلك هو حقيقتها من غير أن يعلم أنها نطق بها مجردة ، ولا وضعت مجردة . مثل أن يكون حقيقة العين هو العضو المبصر ، ثم سميت به عين