العلامة المجلسي

327

بحار الأنوار

يجوز له أن يسلم نفسه للقتل ولا يظهر كلمة الكفر إعزازا للدين ، وإنما استفحش عليه السلام البراءة لأن هذه اللفظة ما وردت في القرآن العزيز إلا من المشركين ألا ترى إلى قوله تعالى : " براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ( 1 ) " وقال الله تعالى : " أن الله برئ من المشركين ورسوله ( 2 ) " فقد صارت بحكم العرف الشرعي مطلقة على المشركين خاصة ، فإذن يحمل هذا النهي على ترجيح تحريم لفظ البراءة على تحريم لفظ السب وإن كان حكمهما واحدا ، ألا ترى أن إلقاء المصحف في العذرة ( 3 ) أفحش من إلقائه في دن الشراب وإن كانا جميعا محرمين وكان حكمهما واحدا ، فأما الامامية فتروي عنه أنه قال : " إذا عرضتم على البراءة منا فمدوا الأعناق " ويقولون : إنه لا يجوز التبري عنه وإن كان الحالف صادقا وأن عليه الكفارة ويقولون : إن للبراءة من الله ومن الرسول ومن إحدى الأئمة حكما واحدا ويقولون : الاكراه على السب يبيح إظهاره ولا يجوز الاستسلام للقتل ويجوز أن يظهر التبري ( 4 ) ، والأولى أن يستسلم للقتل . فإن قيل : كيف علل نهيه لهم من البراءة منه بقوله : " فإني ولدت على الفطرة " فإن هذا التعليل لا يختص به لان كل ولد يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ؟ والجواب أنه علل نهيه لهم عن البراءة منه بمجموع أمور وهو كونه ولد على الفطرة وسبق إلى الايمان والهجرة ، ولم يعلل بآحاد هذا المجموع ومراده هنا بالولادة على الفطرة أنه لم يولد في الجاهلية لأنه ولد لثلاثين عاما مضت من عام الفيل ، والنبي أرسل لأربعين مضت من عام الفيل ، وقد جاء في الأخبار الصحيحة أنه مكث قبل الرسالة سنين عشرا يسمع الصوت ويرى الضوء ولا يخاطبه أحد ، وكان ذلك إرهاصا لرسالته ( 5 ) فحكم تلك السنين العشر حكم أيام رسالته صلى الله عليه وآله

--> ( 1 ) سورة التوبة : 1 . ( 2 ) سورة التوبة : 3 . ( 3 ) في المصدر : في القذر . ( 4 ) في المصدر : وأما الاكراه على البراءة فإنه يجوز معه الاستسلام للقتل ويجوز أن يظهر التبر ( 5 ) أرهص الحائط : بنى رهصه . وهو أول من الطين الذي يبنى عليه .