نور الدين عتر
264
علوم القرآن الكريم
الذات المشتمل على جميع الأسماء والصفات ، فأشارت بذلك إلى كمالاته التي لا تعدّ ولا تحصى ، وهكذا إلى آخر السورة « 1 » . وهذه سورة البقرة افتتحت بالإشارة إلى إعجاز القرآن وغاية عظمته : ألم * ذلِكَ الْكِتابُ ، فرمز لإعجاز القرآن بهذه الحروف المقطعة ، ثم أشار إلى غاية كماله وإعجازه باسم الإشارة : « ذلك » ، مع أن الإشارة في الأصل تكون للماديات المحسوسة ، لتفيد غاية وضوح أمر القرآن وتميّزه عن غيره كمال تميّز ، وجاءت بلام البعد ، لتفيد بعده أن تصل إليه طاقة البشر ، وتأتي بمثله . وزادت عظمة القرآن فعبّرت ب « الكتاب » معرفا بأل ، فأفادت العبارة الحصر ، أي أنه لغاية كماله وعظمته صار كأنه الكتاب الوحيد الذي يستحق أن يسمّى كتابا . . . وهكذا إلى آخر السورة ، وإلى آخر القرآن . حتى صارت كل كلمة في القرآن فريدة ، في مكانها « 2 » . 3 - التناغم الموسيقى : وفي ذلك يقول الرافعي « 3 » : « لو تدبّرت ألفاظ القرآن في نظمها رأيت حركاتها الصرفية ، واللغوية تجري في الوضع والتركيب على غاية التآلف الصوتي ، فيهيّئ بعضها لبعض ، ويساند بعضها بعضا ، ولن تجدها إلا مؤتلفة مع أصوات الحروف مساوقة لها في النظم الموسيقى ، حتى إنّ الحركة ربما كانت ثقيلة لسبب ما ، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأنا عجيبا ، ورأيت أصوات الحروف والحركات قد مهّدت لها طريقا في اللسان ، فجاءت أعذب شيء ، وكانت متمكّنة في موضعها غاية التمكن . من ذلك لفظة : « النّذر » جمع نذير ، فإن الضمة ثقيلة فيها ، لتواليها على
--> ( 1 ) انظر كتابنا ( تفسير سورة الفاتحة ) : 98 وما بعد و ( في تفسير القرآن الكريم وأسلوبه المعجز ) : 23 - وما بعد . ( 2 ) انظر كتابنا القرآن الكريم والدراسات الأدبية : 271 وما بعد ، ومصادر التفسير البلاغي مثل الكشاف للزمخشري وإرشاد العقل السليم لأبي السعود العمادي وروح المعاني للآلوسي وغيرها . ( 3 ) بتصرف واختصار من كتابه إعجاز القرآن : 257 - 258 .