نور الدين عتر

265

علوم القرآن الكريم

النون والذال معا ، لكنها جاءت في آية : وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ [ القمر : 36 ] في غاية الفصاحة ، وجمال الموقع في حسّ السمع ، وذلك بما سبقها من القلقلة في دال « لقد » وطاء « بطشتنا » ، والفتحات المتوالية في « فتماروا » ، التي جرت على اللسان ، ليكون ثقل الضمة خفيفا عليه . وتأتي اللفظة متمكنة في موضعها مستقرّة في قرارها إلى أقصى غاية ، مع أدائها المعنى المراد غاية الأداء » . 4 - إفادة التصوير : وذلك أن الكلمة القرآنية تقدم للقارئ صورة فنية ، وتستقل برسم مشهد ، أو نقل حركة ، أو تشخيص فكرة ، بل إنها تقدّم لنا ما يسميه العصريون « التجسيم » ، تجسيم المعنويات المجردة ، وإبرازها أجساما أو محسوسات ، لتزيد المعنى تمكنا من النفس وتأثيرا فيها « 1 » . ومن ذلك مثلا قوله تعالى في اليهود : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [ البقرة : 93 ] فلننظر « تلك الصورة الساخرة الهازلة : صورة العجل يدخل في القلوب إدخالا ، ويحشر فيها حشرا ، حتى ليكاد ينسى المعنى الذهني الذي جاءت به هذه الصورة المجسّمة لتؤدّيه ، وهو حبّ اليهود الشديد لعبادة العجل » الذي صنع لهم من الذهب . واقرأ كذلك قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ [ الحج : 11 ] . تأمل كلمة « حرف » ومعناه الطرف من الشيء ، « إنّ الخيال ليكاد يجسّم هذا الحرف الذي يعبد اللّه عليه هذا البعض من الناس ، وإنه ليكاد يتخيل الاضطراب المحسوس في وقفتهم ، وهم يتأرجحون بين الثبات والانقلاب » . 5 - الإعجاز العلمي : فقد جاءت عبارات القرآن الكريم عن القضايا الكونية بطريقة عجيبة

--> ( 1 ) انظر كتاب من بلاغة القرآن للدكتور أحمد بدوي : 65 ، وراجع أمثلته بتوسع . وانظر كتابنا علوم القرآن الكريم : 228 - 230 ففيه أمثلة مفيدة .