نور الدين عتر

23

علوم القرآن الكريم

جأشه ، ولهذا ردّ القرآن على هؤلاء بأنهم هم الذين فقدوا رشدهم : فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ . وأما دعوى ( الوحي النفسي ) فقد وجدت لدى المنكرين ومثيري الشبهات مرتعا خصيبا ولا سيما اليهود من المستشرقين « 1 » لما فيها من التلبيس الخبيث والمكر في الدس والافتراء الذي يضفي على هذه الفرية مسحة كاذبة من دعوى البحث العلمي العصري . وإن الثابت المقرر من مظاهر الوحي وآثاره ليثبت بطلان هذه الدعوى وكذبها ، من وجوه كثيرة جدا ، نذكر منها : 1 - إعجاز القرآن ، فإن نفس محمد صلّى اللّه عليه وسلم مهما صفت فإنها ستظل كسائر المتعبدين والعباقرة يأتون بالشيء العظيم لكن لا يعجز أمثالهم أن يلحقوا بهم أو يسبقوهم ويتفوقوا عليهم ، وهذا القرآن الذي أوحي به إلى محمد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وسلم معجز تحدى الجن والإنس ، والأولين والآخرين ، فأنّى يمكن أن يكون هذا الكتاب إلا من عند اللّه . 2 - إن حادث الوحي يثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه آت من ذات مستقلة خارجة عن ذات النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وذلك واضح في حديث بدء الوحي في غار حراء ، حيث إن الملك جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فجأة كما في الحديث الصحيح المتفق عليه : « فجاءه الملك فقال اقرأ ، قلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ ، قلت : ما أنا بقارئ . . . فهذا الحادث يوضح أن هناك ذاتا خارجة عن ذات محمد وشخصه تملي عليه وتأخذه وتغطّه أي تضمّه وتعصره عصرا شديدا ، وتقول له : اقرأ ، فهي ذات متكلمة ، وهي ذات آمرة ومؤثرة في بدنه بالضغط الشديد عليه ، حتى يقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لقد خشيت على نفسي » . وذلك يثبت بطلان زعم الوحي النفسي ويفنّده تفنيدا .

--> ( 1 ) مثل جولد زيهر .