نور الدين عتر

212

علوم القرآن الكريم

قال الإمام ابن عطية « 1 » : لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم يوجد » ، بل هو كما وصفه اللّه : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ . الوجه الثالث : خطاب العامة وخطاب الخاصة : وهاتان غايتان أخريان متباعدتان عند الناس ، فلو أنك خاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذي تخاطب به الأغبياء لنزلت بهم إلى مستوى لا يرضونه لأنفسهم في الخطاب ، ولو أنك خاطبت العامة باللمحة والإشارة التي تخاطب بها الأذكياء لجئتهم من ذلك بما لا تطيقه عقولهم ، فلا غنى لك - إن أردت أن تعطي كلتا الطائفتين حقها كاملا من بيانك - أن تخاطب كل واحدة منهما بغير ما تخاطب به الأخرى ، كما تخاطب الأطفال بغير ما تخاطب به الرجال ، فأما أن جملة واحدة تلقى إلى العلماء والجهلاء ، وإلى الأذكياء والأغبياء ، وإلى السوقة والملوك ، فيراها كل منهم مقدرة على مقياس عقله وعلى وفق حاجته ، فذلك ما لا تجده على أتمه إلا في القرآن الكريم ، فهو قرآن واحد يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير ، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم لا يلتوي على أفهامهم ، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة ، فهو متعة العامة والخاصة على السواء ، ميسّر لكل من أراد وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ . الوجه الرابع : إقناع العقل وإمتاع العاطفة : في النفس الإنسانية قوتان قوة تفكير ، وقوة وجدان ، وحاجة كل واحدة منهما غير حاجة أختها : فأما إحداهما فتنقّب عن الحق لمعرفته ، وعن الخير للعمل به ، وأما الأخرى فتسجل إحساسها بما في الأشياء من لذة وألم ، والبيان التام هو الذي يوفي لك هاتين الحاجتين ويطير إلى نفسك بهذين الجناحين ، فيؤتيها حظها من الفائدة العقلية والمتعة الوجدانية معا .

--> ( 1 ) في مقدمة تفسيره الجليل « المحرر الوجيز » ج 1 ص 39 .