نور الدين عتر
213
علوم القرآن الكريم
فهل رأيت هذا التمام في كلام الناس ؟ لقد عرفنا كلام العلماء والحكماء ، وعرفنا كلام الأدباء والشعراء ، فما وجدنا من هؤلاء ولا هؤلاء إلا غلوّا في جانب ، وقصورا في جانب ، فأما الحكماء فإنما يؤدون إليك ثمار عقولهم غذاء لعقلك ، ولا تتوجه نفوسهم إلى استهواء نفسك واختلاب عاطفتك ، فتراهم حين يقدمون إليك حقائق العلوم لا يأبهون لما فيها من جفاف وعري ونبوّ عن الطباع ، وأما الشعراء فإنما يسعون إلى استثارة وجدانك ، وتحريك أوتار الشعور في نفسك ، فلا يبالون بما صوروه لك أن يكون غيّا أو رشدا ، وأن يكون حقيقة أو تخيلا ، فتراهم جادين وهم هازلون ، يستبكون وإن كانوا لا يبكون ، ويطربون وإن كانوا لا يطربون : وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ . أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ . هذا مقياس تستطيع أن تتبين به في كل لسان وقلم أي القوتين كان خاضعا لها حين قال أو كتب ، فإذا رأيته يتجه إلى تقرير حقيقة نظرية أو وصف طريقة عملية قلت : هذا ثمرة الفكرة ، وإذا رأيته يعمد إلى تحريض النفس أو تنفيرها وقبضها أو بسطها ، واستثارة كوامن لذاتها أو ألمها ، قلت هذا ثمرة العاطفة ، وإذا رأيته قد انتقل من أحد هذين الضربين إلى الآخر فتفرّغ له بعد ما قضى وطره من سابقه ، كما ينتقل من غرض إلى غرض ، عرفت بذلك تعاقب التفكير والشعور على نفسه . وأما أن أسلوبا واحدا يتجه اتجاها واحدا ويجمع في يديك هذين الطرفين معا ، كما يحمل الغصن الواحد من الشجرة أوراقا وأزهارا وأثمارا معا ، أو كما يسري الروح في الجسد والماء في العود الأخضر فذلك ما لا تظفر به في كلام بشر ، ولا هو من سنن اللّه في النفس الإنسانية . فمن لك إذا بهذا الكلام الواحد الذي يجيء من الحقيقة البرهانية الصارمة بما يرضي حتى أولئك الفلاسفة المتعمقين ، ومن المتعة الوجدانية الطيبة بما يرضي حتى هؤلاء الشعراء المرحين ؟