نور الدين عتر

195

علوم القرآن الكريم

بحفظه وحراسته ، وخصّه بأن أودعه من علم الأولين والآخرين ومن دلالة الحرام والحلال ما يدعو إلى تحفظه والتوفر على تأمله . . . » « 1 » . 2 - اختص بالقرآن بكونه معجزة بذاته بخصوصية ثانية انفرد بها عن جميع المعجزات بل عن جميع البراهين والبينات ، قال ابن خلدون : « فإن الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الذي يتلقاه النبي ويأتي بالمعجزة شاهدة بصدقه ، والقرآن هو بنفسه الوحي المدعى ، وهو الخارق المعجز ، فشاهده في عينه ، ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي ، فهو أوضح دلالة لاتحاد الدليل والمدلول فيه ، وهذا معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم « ما من نبيّ من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى اللّه إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » « 2 » . يشير إلى أن المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الوضوح وقوة الدلالة وهي كونها نفس الوحي ، كان المصدق لها أكثر لوضوحها ، فكثر المصدق والمؤمن وهو التابع والأمة » « 3 » . 3 - ثمة خصوصية أخرى بالغة الأهمية هي أن الإعجاز في الخوارق الحسية أنها أمور مخالفة للمعتاد من سنن الكون ، وقواعد الطبيعة ، فتأتي المعجزة الحسية ويدركها الناس بتلك المخالفة لقوانين الطبيعة فيعلمون إعجازها وصدق النبي الذي ظهرت على يديه « 4 » .

--> ( 1 ) المغني للقاضي عبد الجبار ج 16 ص 344 . ( 2 ) البخاري ج 9 ص 93 ومسلم ج 1 ص 92 - 93 . ( 3 ) مقدمة ابن خلدون ص 106 - 107 مطبعة التقدم بمصر سنة 1329 . ( 4 ) ننبه هنا إلى أنها ليست مخالفة للعقل ، ولا هي مستحيلة في النظر العقلي المجرد ، أي أن تتابع الأحداث في الطبيعة وإنتاج الأسباب للمسببات ليس واجبا عقليا مثل كون الواحد والواحد يساوي اثنين ، لكن العادة جرت على ذلك بحكمة اللّه تعالى وتدبيره ، وقد يتحقق السبب ولا يتحقق المسبب لمانع ، أو لتدخل قانون طبيعي أعلى من الأول ، وهكذا يجري اللّه المعجزات وفق سنن إلهية خاصة غير معروفة للبشر ، ولا داخلة في تعلمهم ، وهو خالق العالم ومدبره ، وذلك لتحقيق حكمته وإرادته في تأييد رسله وأنبيائه .