نور الدين عتر

164

علوم القرآن الكريم

كل فقيه ، إنما يسجل من هؤلاء وهؤلاء الأفذاذ الذين بزّوا أقرانهم ، وفاقوا أندادهم ، حتى يكونوا كالمراجع لهم ، وحتى لا يتبادر إلى الذهن لدى ذكر اختصاصهم غيرهم . وقد أرشد النبي صلى اللّه عليه وسلم أصحابه إلى كبار المقرئين ليأخذوا عنهم القرآن ، كما أرشد وذكر مناقب اختص بها واحدا منهم أو اثنين بالذكر ، ولم يفهم من ذلك أحد حصر القضية فيهم . عن مسروق أنه قال : « ذكر عبد اللّه بن عمرو عبد اللّه بن مسعود فقال : لا أزال أحبّه ، سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « خذوا القرآن من أربعة : من عبد اللّه بن مسعود ، وسالم ، ومعاذ ، وأبيّ بن كعب » أخرجه البخاري « 1 » . وعلى هذا النحو ورد الحديث عن قتادة قال : سألت أنس بن مالك رضي اللّه عنه : من جمع القرآن على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم ؟ قال : « أربعة كلهم من الأنصار : أبيّ بن كعب ، ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت ، وأبو زيد » أخرجه البخاري « 2 » . فقد ذكر أنس هؤلاء لمعنى خاص لاحظه ، أو أنهم هم الذين حضروا لذهنه « 3 » .

--> ( 1 ) في فضائل القرآن ج 6 ص 186 . ( 2 ) ج 6 ص 187 . ( 3 ) وأما رواية قول أنس : « مات النبي صلى اللّه عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة : أبو الدرداء ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد » ، أخرجها البخاري أيضا عقب الرواية السابقة ، فليس يصلح أن نأخذ منها ما يخلّ بما قدمنا الدلالة القاطعة عليه . أما السند : فقد انتقده العلماء بأنه خالف الرواية الأولى وهي الأصح عند البخاري كما أشار لذلك البخاري نفسه ، والمخالفة جاءت من وجهين : أحدهما التصريح بالحصر ، والآخر ذكر « أبي الدرداء » بدل « أبيّ بن كعب » ، وقد استنكر جماعة من الأئمة الحصر في الأربعة .