عبد المنعم النمر

97

علم التفسير

وهذه كلها تأمر بالتدبر والفهم لما يعرضه القرآن ، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بالبحث العقلي دون انتظار لحديث يروى ، وأين هذه الأحاديث ؟ إن هذا الاتجاه وهذا التوقف في تفسير الآية على حديث من الرسول ، في أمور غير غيبية ، لا يمكن أن يكون الباعث عليه إلا مجرد الورع والخوف من الوقوع في قول خطأ ، يتحمل مسئوليته ومسؤولية من يقتدى به طول الزمن . . وإلا فلا يجوز أبدا أن يكون منهجا لفهم القرآن ، وإلا كنا قد حسبناه في قمقم ، وحجزنا هديه عن الناس ومنعنا تدبره ، ومعرفة ما يشير إليه من أسرار . . فيها الهدى للناس ، ولا يمكن أن نقول في تفسير كتفسير الإمام الطبري ورأيه في الآية ، إن الطبري لم يستعمل رأيه في فهم الآية ونحمد الله على أن هذا الرأي لم يسيطر على علماء المسلمين جميعهم ، بل قام أفذاذ العلماء برده والتخلص منه ، وأقبلوا على تفسير القرآن بما منحهم الله من عقل وفهم ورأى ، ولم يغفلوا مع ذلك ما ورد من روايات صحيحة ، وكانوا حائزين لكل الشروط ، أو متسلحين بكل الأسلحة التي يجب أن يتسلح بها كل من يريد التفسير : من علوم اللغة والبلاغة ، ومعرفة الناسخ والمنسوخ ، وأصول الفقه وما ورد من أحاديث صحيحة ، ولا سيما في آيات الأحكام ، وآيات الغيب ، ومن أسباب النزول ، مع ذوق يعينه على استشفاف المعاني . ومع تجنب شد الآيات وليّها نحو رأيه ومذهبه وهواه . . فترك هؤلاء العلماء لنا كثيرا من التفاسير التي عرضوا فيها آراءهم وفهومهم للقرآن ، وما يتصل به من علوم ومعارف ، مع اسهاب ، أو توسط ، أو اختصار ، فكان لنا من ذلك كله ذخيرة ضخمة ، ووردا يقصده كل طالب علم . . وما يزال القرآن مقصد العقول والهمم ، يتناولونه بالتفسير من خلال ما وهبهم الله من فهم له وتدبر لآياته . . ليس هناك ما يصد عن هذا المورد العذب ، إلا سوء الفهم أو سوء القصد ، أو تحميل للألفاظ ما لا تحتمله ، وخروج بها عن الظاهر إلى معان باطنية بعيدة ، وجعلها رموزا لأشياء يعرفونها هم . . كما حصل من كثير من الباطنية والمغرقين من الصوفية ، وكما