عبد المنعم النمر
91
علم التفسير
والغثة ، دراسات في اللغة ، ونقد للروايات أحيانا ، وأقوال السابقين واختيار الرأي الذي يراه أخيرا . . وقد جاء هذا التفسير الزاخر الضخم الموسوعة شبيها بنهر كبير ، ضم مع الماء العذب كثيرا من القش والنفايات ، وعلى القارئ وهو يسبح في خضم هذا النهر أن يختار طريقه . . أو إذا أراد أن يشرب منه أن يعنى بتصفية الماء الذي يشربه . . ولا شك أن هذا الكتاب وهو مخطوط قد عرف في زمنه ، وبعد زمنه ، واطلع عليه طلاب العلم والعلماء ، وأخذوا عنه ، كما كتب الكثيرون من كبارهم يشيدون به بما لم يظفر به كتاب آخر ، وكانت هذه الإشادة به من علماء المشرق والمغرب ، وفي عصور متتالية ، دليلا على تداوله . وقد حذا كثير من العلماء منهج الطبري في التفسير ، وإن زاد بعضهم عليه نقدا للروايات التي يذكرها حسبما عرف في علم الجرح والتعديل لرواة الأحاديث ، كابن كثير وعمدتهم جميعا الاعتماد على الرواية المأثورة في تفسيرهم ، ولا يمكن لنا تتبع ما كتب في هذه الناحية بالحصر ، وإن أمكن ذكر بعض التفاسير المشهورة ، وإن تفاوتت شهرتها مثل : « بحر العلوم للسمرقندى ، والكشف والبيان للثعلبي ، ومعالم التنزيل للبغوي ، والمحرر الوجيز لابن عطية ، وتفسير ابن كثير ، والجواهر للثعالبي ، والدر المنثور للسيوطي » « 1 » وتفسير ابن كثير تفسير متداول بيننا ، حائز للقبول ، ويمتاز في اعتماده على الرواية بنقدها ، وبيان قيمتها من الصحة أو الضعف ، أو الغرابة أو الوضع . . وقد قام بعض الفضلاء بتجريده واختصاره . . وكان بجوار هذه التفاسير التي عرفت بأنها كتب التفاسير بالمأثور . كتب أخرى لم ينح أصحابها منحى الطبري وإخوانه بل سلكوا طريقا آخر - وكانوا ممن يميلون للاعتماد على العقل والرأي - وعرفت هذه الكتب باسم « التفاسير بالرأي » ، وهذا يعنى عندهم عدم الاعتماد الكلى أو غالبا على الروايات وسردها ، بل الاعتماد على التصرف العقلي واللغوي والبلاغي والعلمي في
--> ( 1 ) المرجع السابق ص 204 .