عبد المنعم النمر

85

علم التفسير

هذا الطريق ، لا سيما ونحن نعرف أن الصحابي كان يحرص الحرص كله ، على أن يسند الرواية إلى الرسول ، إذا كان حقا قد سمعها منه ، ليزداد شرفا بالرواية عن رسوله من جهة ، وليكسب كلامه مهابة وتوكيدا من جهة أخرى ، ولا سيما في مثل هذه الأمور الغيبية التي تحتاج لتدعيم وتقوية . فامتناعه أو عدم تصريحه حينئذ ، بروايته عن الرسول ، مع الحالة التي كانت قائمة بالأخذ عن بعض مسلمى أهل الكتاب في مثل هذه الأمور ، يوجب علينا أن نحتاط ، فلا نقبل رواية بهذا الشكل ، أعنى الرواية عند الصحابي التي لم ينسبها صراحة إلى الرسول . . وهذا - في رأيي - يختلف عن قول الصحابي أو عمله في حكم من الأحكام ، لأنهم لم يكونوا يسمحون لأنفسهم بمعرفة شئ من ذلك ، أو من العقائد ، عن مسلمى أهل الكتاب . . والرسول صلى الله عليه وسلم وضح كل ما يتصل بذلك قولا وعملا . ، فإذا عمل أو تكلم الصحابة أو تابعوهم ممن كانوا في المدينة أو خرجوا منها وكانوا على حال يوثق فيها بهم وبعلمهم ، فإن من الجائز حينئذ أن نفهم أن قولهم في الحكم أو عملهم ، معتمد على عمل أو قول منسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن لم يصرحوا بنسبته إلى الرسول . . وهذا ما كان يأخذ به الامام مالك رضي الله عنه في مذهبه ، مما سمى بقاعدة عمل أهل المدينة . . وإن نازعه في ذلك بعض الفقهاء ، ممن لم يسلموا للامام مالك بحجة عمل أهل المدينة . . والاستناد إليه في تقرير حكم من الأحكام . . وقد يقول بعض الناس : وما الضرر في أخذ مثل هذه الروايات ، أعنى الموقوفة على الصحابي في أمور لا مجال للعقل فيها ، ما دامت لا تتصل بتقرير عقيدة أو حكم شرعي ، ولكنها زيادة تفاصيل لما ذكر مجملا من القصص أو الكون مثلا ؟ . . . وأقول لهم : إن الضرر من هذا يرجع إلى تقييد عقولنا بفهم أو تفصيل خاص باعتبار أن ذلك صادر عن الرسول . . وقد تكون تلك الرواية متصلة بأحوال الآخرة فتدخل ضمنا في تكوين عقيدتنا ، أو في تكميل الصورة عنها .