عبد المنعم النمر

80

علم التفسير

وذلك بخلاف ما عداه مما لم يرد فيه بيان نبوي ، ولا تدعو الحاجة للخوض فيه فإنهم تورعوا عن الكلام فيه محافظة على النهج الذي ساروا عليه أيام الرسول . . وقد روى أن أبا بكر سئل عن معنى آية من القرآن فقال : أي سماء تظلني وأرض تقلني ، إذا قلت في القرآن برأيي ، أو بما لا أعلم . وقد سبق أن ذكرنا أن عمر رضي الله عنه ضرب واحدا من المسلمين ضربا موجعا حتى كاد يؤدي بحياته وهو عبد الله بن صبيغ - لأنه كان يكثر من السؤال عن معنى - المرسلات والعاصفات والصافات ، ولم يتركه حتى تاب ورجع عن هذا المسلك . ومع هذا روى أن أبا بكر أجاب لما سئل عن معنى ( الكلالة ) الواردة في موضعين من سورة النساء ، وأن عمر أيضا سأل عن معاني بعض الكلمات التي كانت خافية عليه كما سبق مثل ( تخوف ) في قوله تعالى : « أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ » في سورة النحل . وهذا يدلنا على أن الكلام السابق لأبى بكر ( أي سماء تظلني ) الخ . . كان خاصا بناحية في القرآن ، وهي التي تتصل بالمتشابه أو بالمطوى من حوادث القصص ، لأنه تحرج - جريا على النهج الرسولي - من الكلام في هذه الناحية . ولم يتحرج من تفسير معنى الكلالة الواردة في آيتين من آيات المواريث ، لأن ذلك يتصل ببيان ألفاظ أحكام عرفوها ، ولا بد لهم أن يبينوها . . أما تحرجه فيما تحرج عن الكلام فيه ، فلأنه يحتاج إلى نقل صحيح ، ولم يكن هذا النقل متوفرا لديه ، فعدّ الكلام فيه حينئذ من أبواب الكلام بالرأي . . وهو لا يريد أن بخوض هذا المجال ، تورعا منه ، وتشبثا بالمنقول . وكان سلوك أبى بكر هو السمت الغالب على الصحابة في عهده وعهد عمر تقريبا . . وامتد بعدهما ولكن عند الورعين الذين ألزموا أنفسهم حسن الاتباع ثم بدأت الظروف تتغير : فلو كان الاسلام ظل قاصرا على البيئة التي تركه الرسول فيها ، لكان من الممكن أن يظل النهج الرسولي سائدا مسيطرا على الناس مدة طويلة ولكن ذلك لم يكن ، فقد اتسعت رقعة الاسلام ، ودخله أناس يحملون