عبد المنعم النمر
81
علم التفسير
ثقافات وأفكارا ، ونفسيات مختلفة ، واختلطوا بالصحابة في المدينة ، أو ذهب الصحابة إلى بلادهم ، ولم يكونوا جميعا عربا ، يفهمون العربية والقرآن بسليقتهم كالعرب ، فاحتاجوا إلى بيان معنى ما يسمعون أو يقرءون ، ولم يكونوا ملتزمين بالنهج الذي سار عليه الصحابة مع رسول الله إزاء القرآن وكان من الضروري الإجابة عما يسألون أو يثيرون من شبهات ، أو يطلبون من بيانات . . وكان من هؤلاء الداخلين في الاسلام جماعة لا زال ماضيهم يشدهم إليه ، فلم يكونوا مخلصين للدين الجديد ، فأخذوا يثيرون الشكوك ، ويزرعون الألغام في طريق المسلمين المخلصين ، حول القرآن والتعاليم الاسلامية بعامة . . وكان بجوار هؤلاء نبت جديد في البلاد العربية ، أو بتعبير العصر ، جيل جديد ، لا شك أنهم كانوا أكثر تطلعا من الجيل السابق عليهم ، وأكثر جرأة وتطلبا لفهم ما يغلق عليهم فهمه من القرآن الكريم . كما أن الأحداث العنيفة التي أثارها النزاع حول الحكم في وقت مبكر بعد وفاة الرسول ، قد شغلت المسلمين بها ، وأضعفت فيهم المثالية التي كانت سائدة من قبل ، وأوجدت عند كل فريق رغبة في التماس الحجة له من القرآن وكان الموقف يقتضى الاقتصار على فهم الآيات بمقتضى أسلوبها العربي المفهوم لدى الصحابة أو تابعيهم من العرب ، مع الاستعانة في بعض الأحيان بما يكون قد روى عن الرسول . . ثم التوقف عن الخوض فيما لا يمكن الخوض فيه . . كآية متشابهة . أو حادثة مطوية في قصة . أو ظاهرة كونية . كالرعد والبرق مثلا . . وهذا بالفعل ما تمسك به الورعون من الصحابة وتابعيهم الذين التزموا النهج الأول . فكانوا يقلون من تفسير القرآن ، ويتحرجون من الجرأة على الكلام فيه كأبي بكر ، ويفوضون ما لم يعلموا رواية فيه عن الرسول ، أو لم يكن ظاهرا واضحا عندهم ، إلى علم الله . . معتبرين السؤال عنه بدعة ، يجب على الانسان المؤمن البعد عنها . وهذا ما يبدو واضحا مما نعرفه من قول الإمام مالك رضي الله عنه ، لمن سأله عن معنى الاستواء ، في قوله : « الرحمن على العرش استوى » فقال الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والسؤال عنه بدعة .