عبد المنعم النمر

77

علم التفسير

ولهذا قال علماء البلاغة في هذا الجواب إنه من الأسلوب الحكيم . . أي الجواب بغير ما سأل عنه السائل ، لصرفه عن موضع سؤاله ، ايحاء له بأن كلا من سؤاله والجواب الحقيقي عنه غير مناسب ، بل المناسب أن يسأل عما كان الجواب فعلا عنه . . وهو فائدة تغير القمر بهذه الأشكال التي نراها . . حتى قال بعض المفسرين فهما لقوله تعالى عقب ذلك مباشرة وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها « 1 » قالوا : إن ذلك يشبه أن يكون تقريعا لاتجاههم إلى ذلك السؤال ، الذي لا يحتملون الإجابة الحقيقة عنه ، وكان الأولى أن يقتصدوا في الأسئلة ، ولا يتعرضوا لما هو فوق طاقتهم العلمية . . فمثل هذا السؤال كمن أتى البيوت من ظهورها وقفز من نوافذها وسار إلى الشيء من غير طريقه المناسب له . وليس هذا برا ، ولكن البر أو الصواب هو اتقاء مثل هذه الأساليب ، في الأسئلة لعدم مناسبتها لكم . . هكذا علل بعض المفسرين سر اتصال أجزاء الآية بعضها ببعض ، وهو فهم في الآية على كل حال ، يقوم على حالة واقعة ، هي عدم معرفتهم بمسائل العلم التي تؤهلهم لادراك الجواب الحقيقي على سؤالهم . . وهذا مثال من القرآن نفسه يوضح لنا ما نقول عن واقع الصحابة العلمي حين نزول القرآن . . والنتيجة : والذي نريد أن نصل إليه من هذا كله : أن الصحابة لم يكونوا مؤهلين بمعرفة عن تاريخ الرسل وأممهم فوق ما جاء في القرآن . فكل زيادة في هذه الناحية ، إن ثبت ورودها عن الرسول قبلناها ، وإلا أبعدناها عن تفسير القرآن ، اللهم إلا إذا وجدنا حفريات ونقوشا تضيف لنا جديدا عمن تحدث عنهم القرآن . . كما أن الصحابة لم يكونوا مؤهلين بمعرفة علمية عميقة أو شبه عميقة عن

--> ( 1 ) البقرة / 189 .