عبد المنعم النمر

78

علم التفسير

الإنسان ، ومظاهر الكون أمامهم ، ولهذا لم يخوضوا فيها بتفصيل ، ولم يتحدثوا عنها ، وإنما كانوا يكتفون بالعبرة ، يأخذونها من منطوق الآية ومن النظرة البسيطة إلى المظاهر الكونية أمامهم دون تعمق ، فإذا جاء عنهم شئ في ذلك فقد نقلوه من خارج البيئة الاسلامية ، إسرائيلية أو غيرها . . وقد جاء القرآن الكريم يخاطب العرب في حالتهم تلك ، بالأسلوب المناسب لهذه الحالة ، فيأخذون منه قدرا يحرك في نفوسهم الاتعاظ بما يحدثهم عنه ، ويخاطب من هم أعلى منهم علما ، وأدق نظرا ، على درجاتهم المتفاوتة في العلم ودقة النظر ، فيكتسبون العبرة الظاهرة التي استفادها العرب الأميون ، ولكنهم يزيدون عليها تأملات جديدة في الآية على ضوء ما وصلوا إليه من علوم يقينية يجدون في الآية إشارة لها وتحتملها ألفاظها . . ومن هنا أرى أن أولى الناس بتفسير الآيات الكونية إنما هم أهل العلم في الطب والفلك والجيولوجيا وما يشبه ذلك من علوم ، على ألا يتحدثوا عن آية إلا باليقينيات من العلم ، لا بالفروض والنظريات . أما أرباب النحو والبلاغة فقد فسروها كما تدل عليه ألفاظها مع ما عندهم من علم عن الكون ، استفادوه بالنظرة السطحية التي تشبه نظرة الصحابة ، مع تفتح جاءهم على مرور الزمن حسب الجو العلمي الذي كانوا يعيشون فيه . . وأعتقد أننا بهذا الذي أوردناه قد ألقينا ضوءا كاشفا عن حالة تفسير القرآن الكريم في عصر الرسول ، وعن المحصول الذي يمكن أن نخرج به من هذا ، وعن العوامل المتعددة ، التي جعلته محصولا يسيرا . ومن يدرى . . لعل في ذلك جوانب من الخير كثيرة ، أهمها : ترك الباب مفتوحا للعقول وعلى مر الزمن لتجتهد في فهم القرآن على ضوء خبرتها وعلمها ، وتبرز لنا من أسرار الكون المكتشفة حديثا ، ما أشارت الآيات إليه ، ولم يدركه السابقون . . وهو خير يزيد المؤمنين إيمانا ويقينا . . ومن أراد أن يرجع إلى ما تركه الرسول صلى الله عليه من تفسير قليل . فليرجع إلى أمهات كتب الحديث . باب التفسير ليقف على هذه الحصيلة القليلة ، بجانب ما غصت به كتب التفسير بأجزائها ومجلداتها .