عبد المنعم النمر

59

علم التفسير

فرشوناه برداء وقلنا سل النبي صلى الله عليه وسلم والأعرابي ليس بملتزم بما يلتزمه المقيمون مع الرسول . . والرشوة هنا ليست هي الرشوة المحرّمة طبعا ، بل هي تحريض على خير يريدونه ولا يستطيعونه . وروى مسلم أيضا عن النواسى بن سمعان قال : « أقمت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سنة بالمدينة ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة ، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبي صلى اللّه عليه وسلم » . فلم يتخذ النواسى صفة المقيم بالمدينة حتى لا ينطبق عليه ما ينطبق على المقيمين مع الرسول من تحشم واحتياط في الأسئلة ، وظل سنة ضيفا ، دون أن يأخذ حكم الإقامة ، لتكون له الحرية في سؤال الرسول عما يريد . لأن الحرج كان خاصا بالمقيمين لا بالوافدين ؟ ؟ ؟ . . لأنهم يتزودون بالعلم ويرحلون ، وتسامح معهم أكثر مما يتسامح مع المقيمين . وروى أبو يعلى عن البراء « إن كان ليأتي على السنة ، أريد أن أسأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الشيء فأتهيب ، وإن كنا لنتمنى الأعراب ، أي قدومهم ، ليسألوا فيسمعوا هم الأجوبة عن أسئلة الأعراب فيستفيدوا منها . . إلى هذا الحد بلغ رد فعل هذا الدرس الذي فهموه من الآية : إحجام عن السؤال مع رغبتهم الشديدة فيه ، حتى يحرضوا الأعرابي ، ليسأل بدلهم ، ويغروه بشيء في مقابل السؤال ، واستماعهم معه للجواب . . مبالغة في الأدب ، مع حرص شديد على الاستفادة . . ومع أن الآية - كما يفهم من مدلولها - لم تنههم عن السؤال أيا كان موضوعه ، بل نهتهم عن أسئلة من نوع خاص ، بينته لهم « إن تبد لكم تسؤكم » كما أن الحالة التي نزلت الآية تعالجها كانت مفهومة عندهم ، أقول ومع ذلك أحدثت الآية في نفوسهم رد فعل زائد عن الحد المطلوب فيها . ولو أنهم - مع هذا المعروف عنهم - لم يغفلوا أول الأمر عما كان يجب عليهم من مراعاة مقام الرسول ، والحفاظ على وقته الثمين ، الذي يجب صرفه كله للأمور المهمة ، لما حصل هذا كله . . ولكنه درس لهم ، ولكل من أتى أو يأتي من بعدهم ، حتى لا تشغلهم التوافه عن العظائم ، ولا يتشددوا فيشدد اللّه