عبد المنعم النمر

58

علم التفسير

وفي معنى هذا أيضا يقول اللّه « لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا « من أواخر سورة النور ، وقوله في أوائل سورة الحجرات « يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ، إن الذين يغضّون أصواتهم عند رسول اللّه أولئك الذين امتحن اللّه قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم ، إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ( كما ينادون أمثالهم ) أكثرهم لا يعقلون ، ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم » . أدب مع النبوة يجب أن تتأدبوا به . فلما غفلوا عنه غضب الرسول وغضب اللّه له . حتى لا يكون هؤلاء ( المتنطعون ) سببا في الإثقال على غيرهم . . كما قال اللّه « إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ، وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ » . وكما قال الرسول : - « لو قلت نعم لوجبت ، ولما استطعتم » . ولقد كان هذا الدرس نافعا ومفيدا ، بل ذهب إلى نفوس الصحابة إلى أكثر من مداه . . وهذا هو شاهدنا وموضع هدفنا من الآية وأثرها . . فلقد تخوف الصحابة من السؤال ، أي سؤال ، وتحرجوا منه ، مما يمكن أن نعده رد فعل لما كانوا عليه أولا ، قبل أن يغضب الرسول وتنزل الآية . . فقد أداهم الخوف والخشية إلى أن يحجموا عن الأسئلة ، خوفا من أن يبدو منهم ما قد يكون محل مؤاخذة فآثروا العافية . . والرواية الآتية تبين لنا إلى حد آثروا العافية وتخوفوا الأسئلة . . روى مسلم في صحيحه عن أنس رضى اللّه عنه قال « كنا نهينا أن نسأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن شئ ، وكان يعجبنا أن يجئ الرجل الغافل من أهل البادية ( أي الذي لم يبلغه أمر النهى كما بلغنا ) فيسأله ونحن نسمع « 1 » ، وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي أمامة قال : - « لما نزلت ، يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء » الآية ، كنا قد اتقينا أن نسأله صلى اللّه عليه وسلم فأتينا أعرابيا ،

--> ( 1 ) عن تفسير المنار ح 7 ص 148 نقلا عن فتح الباري .