عبد المنعم النمر
57
علم التفسير
أليس الرسول مبينا ، ومن مهمته أن يتحدث للناس ويستمع إليهم ؟ بلى . من مهمته ذلك . ولكن حسن خلقه وسيره على طبيعته السهلة أطمع كل من حوله في أن يتحدث معه ، ويناجيه ، وقد ينفرد به ، وقد يشغله ، وقد يقتحم عليه أوقات راحته ، وقد يتحدث معه في توافه الأمور ، فكان تواضعه وحسن خلقه سببا في إيجاد شئ من عدم الدقة في فهم مقام الرسول ، وما ينبغي أن يكون عليه الحديث معه . . ولما يجب من توفير وقته للمهم من الأمور ، أو كما نقول سببا في « رفع الكلفة » في الحديث معه ، فكان لا بد من وقفة ، أو من هزة تنبه الجميع إلى ما يجب أن يكون عليه الحديث مع الرسول ، فليس هو مثلهم . إنه رسول . . وإذا كان قد رباه ربه على التواضع ، فليس معنى ذلك أن تزيلوا كل حجاب ، أو ترفعوا الكلفة بينكم وبينه وتشغلوا كل وقته بأسئلتكم ومحادثاتكم . إن مقامه عظيم ، ومقام المحادثة معه عظيم ، يقتضى أن يقدم من يريد الحديث معه صدقة . نعم . لا حجاب ، ولا حراس ، ولا استئذان ولكن صدقة من مال ، أفهمتم مقام الرسول ؟ أفهمتم خطورة التحدث معه ؟ لا بد أن تتأدبوا . لا بد أن تحتاطوا . وعرفوا قدر المحادثة مع الرسول ومناجاته وقيمة وقته ، وأحجموا . . حتى أقرب الناس إليه وهو على رضى اللّه عنه ، لما أراد أن يحدثه ، قدم صدقة قبل أن يتحدث معه ، ثم تحدث . . وكان المهم أن يعوا هذا الدرس ، ويعلموا أنهم يتحدثون مع رسول اللّه ، ولا بد أن يكون الحديث جديا مناسبا لمقامه . وقد فهموا هذا ووعوه ، ثم أدركتهم رحمة اللّه سريعا وأعفتهم من هذه الصدقة ، لكن بعد أن فهموا وتعلموا ، فقال اللّه لهم أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ 13 « 1 » ومنه حفظكم لمقام الرسالة والرسول وتأدبكم في الحديث معه .
--> ( 1 ) المجادلة / 13 .