عبد المنعم النمر

42

علم التفسير

والقارئ يعلم بلا شك تلك الظروف التي عاش فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون القليلون معه في مكة مدة ثلاث عشرة سنة . . كما يعلم الظروف التي عاش فيها الرسول مع صحابته بعد ذلك في المدينة . وكلها ظروف تحتم توجيه أكبر قسط من الجهد والعناية للأمور الأكثر أهمية بالنسبة للدين الجديد : من الدعوة إليه والتمسك بمبادئه وتشريعاته من ناحية ، والدفاع المستميت عنه ضد أعدائه من ناحية أخرى ، أو بلغة العصر الحديث : إقامة بناء جديد قوى للدعوة في الداخل ، ودفاع وحماية لها من أعدائها في الخارج . وهذا هو الذي كان ، فلقد انصرف الرسول وصحابته بكل ما يسعهم من جهد وطاقة ، إلى تدعيم العقيدة في النفوس ، والعناية بالتطبيق لكل ما جاء به الدين من تشريعات ، والاستعداد التام لمجابهة كل عدو والوقوف أمامه . [ وهذا يعنى أن الناحية العلمية كانت هي الجانب الأهم في حياة الرسول والمؤمنين ، وكان المسلمون ينصرفون إليها بكل جهودهم ووقتهم ، بعد أن يعلمهم الرسول القائد ، ما عليهم من واجبات . . ثم لا ننسى أنه كان عليهم واجبات معيشية أخرى غير واجبات دينهم . . [ ولا ننسى أيضا أنهم مع حرصهم الشديد على التجاوب التام مع دينهم ، وعلى حفظ القرآن ، لم يستطع أكثرهم متابعة ما ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن بالحفظ والاستظهار . . ولم يكن هناك أمر في القرآن ، ولا في كلام الرسول ، يوجب عليهم استظهاره كله . . لأن ذلك شئ قد يشق عليهم ، ولا يستطيعون احتماله ، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها . . وليس المهم الحفظ والاستظهار ، وإنما المهم في الدرجة الأولى : التنفيذ والعمل . . وهو ما حرصوا عليه ، وقاموا به . صحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحرص على أن يحفظوا ، وكانوا هم الآخرين يتسابقون إلى الحفظ ، ويعتبرونه مفخرة ، لكن ذلك كله لم يصل إلى حد أن كل واحد منهم قد وجد الفرص الكافية لحفظ القرآن كله . . . وإن كان كل واحد لم يفته أن يحفظ شيئا من القرآن قليلا أو كثيرا . .