عبد المنعم النمر
23
علم التفسير
هل ترك الرسول تفسيرا كاملا للقرآن ؟ لعل البعض يفهم من قوله تعالى « وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ » أن الرسول صلى الله عليه وسلم تولى تفسير كل آية من القرآن لصحابته رضوان الله عليهم . . ولكن هذا فهم مبالغ فيه وغير دقيق ، إذ أن قوله تعالى : « لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ » يعنى تبين ما يحتاج منه إلى بيان . . وقد أنزل الله القرآن على رسوله بلغة قومه « إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » وكان العرب في ذروة البلاغة وهم أرباب الفصاحة ، وقد نزل القرآن يخاطبهم جميعا . ويحثهم لما يدعوهم إليه ، ومن الطبيعي ألا يكون غامضا عليهم فكانوا أقرب الناس إلى فهمه وإدراك معانيه وتقدير بلاغته ، حتى وجدنا أعتى الناس عداوة للرسول ، ينقلب - بمجرد سماعه - إلى مسلم تابع له ، وأيضا أشد الناس إخلاصا ودفاعا عنه ، ووجدنا آخرين يتزعمون معارضته ، وإيقاع الأذى به وبدعوته ، ومع ذلك تأسرهم بلاغة القرآن ومعانيه ، ويتسارقون ويتسربون ليلا ، للاستماع إلى الرسول صلى عليه وسلم وهو يقرؤه بصوت مسموع ، إشباعا للذة الاستماع إليه ، مع كراهتهم له . ولو لم يفهموه ويحسوا بلاغته ، ما سحرهم بيانه ، وما جذبهم لهذه المخاطرة التي خاطروا فيها بأنفسهم وبمراكزهم وزعامتهم وسط معسكر الكافرين بالرسول ، لو انكشف أمرهم . . وقلنا كانوا أقرب الناس إلى فهمه ، لأنهم لم يكونوا جميعا على مستوى واحد من الفهم له وإدراك معانيه إذ من الطبيعي أن تكون أفهامهم متفاوتة ، حتى لما يسمعون من كلامهم . . وذكرت لنا الروايات الصحيحة ، أن بعضهم ، ومنهم مقربون إلى رسول اللّه كان يتوقف في فهم بعض ألفاظ وردت فيه ، وإن كان يفهم المعنى الإجمالي للآية والسورة . والغرض من سياقها . . فوجدنا الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، مع مكانته يسأله رجل عن معنى « الأب »