عبد المنعم النمر
17
علم التفسير
ذلك لأن لكل أمة قاعدة تنطلق منها إلى نهضتها ، وإلى إثبات وجودها وقيمتها في الحياة والمسلمون لم يبدءوا حياتهم ، ولم يخطوا الخطوة الأولى في وجودهم ، استجابة لفلسفة يضعها بشر ، وإنما بدءوا حياتهم على أساس الإيمان بدين منزل من عند الله ، وتوجيه رسول أرسله الله ، وعلى هدى قرآن أنزله الله على رسوله . . واستمدوا من ذلك وجودهم وكيانهم وشخصيتهم ، وبنوا عليه كل تحركاتهم وسكناتهم ، وشكلوا على هديه كل مظاهر حياتهم . . فمن الضروري والحالة هذه أن تكون عنايتهم الأولى مركزة على فهم دينهم ، وفهم القرآن الذي يمثل العمود الفقرى في حياتهم ، وفهم ما يتصل بالعقيدة وسلامتها ، وما يتصل بالأحكام في العبادة والمعاملات ، حتى تأتى أعمالهم طبقا لما يطلبه منهم دينهم . . وقد برزت هذه الناحية في حياة المسلمين بصورة طبيعية ، سواء من جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو من جانبهم ، فكانت عناية الرسول بتبليغهم ما أنزل عليه من القرآن أولا بأول ، وتطبيقه على نفسه ، وعلى من حوله من أصحابه ، وشرح ما يحتاجون إليه من شرح وبيان . . وكانت عنايتهم كذلك بتلقى ما نزل من القرآن ، وحفظه ما أمكن ، والحرص على ملازمة الرسول ، وفهم توجيهاته ، حتى كانوا يتناوبون حضور دروسه ، ومصاحبته ، والحاضر منهم في نوبته يبلغ الغائب ما سمعه وعرفه . . حتى لا يفوت الواحد منهم شئ نزل من القرآن ، أو قاله الرسول . . مدفوعين إلى ذلك بقوة إيمانهم بالله ورسوله ، وحرصهم على أن تكون حياتهم صورة حية لما جاء به نبيهم ورسولهم ، وطبقا لتعاليم دينهم . . كان دينهم هو كل شئ هو زادهم في حياتهم ، وهو رفيقهم حين يلقون ربهم . . وكان القرآن - كما قلنا - يمثل العمود الفقرى لحياة المسلمين ، فمن الطبيعي - والحالة هذه - ألا يغيب عنهم منه شئ ، وكانوا يفهمون القرآن وتوجيهاته بسليقتهم العربية ، فإذا أشكل عليهم منه أمر استوضحوه من رسول الله ، أو سأل بعضهم من يظن أنه عارف به . .