عبد المنعم النمر

108

علم التفسير

الأمويين وما قبله ، لكنها لم تأخذ المظهر القوى ، الذي أخذته في عهد العباسيين ، الذي نضجت فيه العلوم الاسلامية المتنوعة ودونت ، وكان منها علم التفسير . . وكانت الصفة البارزة للذين تعرضوا لتفسير القرآن ، تهيبهم من القول فيه بآرائهم واعتمادهم على ما وصل إليهم من روايات يتناقلونها ، منها الصحيح ومنها الضعيف أو الموضوع أو المستمد من الإسرائيليات . . ولم يصل إلينا من هذه التفاسير شيء منسق ، وإن كنا عرفنا بعض أصحابها . مما تناقله الرواة عنها في الكتب التي بين أيدينا . . وقد أثر هذا الجو على الطبري ، فكانت عنايته البالغة بالرواية ، وإن لم يمنعه هذا من أن يدلي برأيه موافقا لها أو مخالفا ، فكان تفسيره يمثل دائرة معارف ضخمة في كل العلوم التي كانت سائدة في هذا العصر وتتصل بتفسير القرآن ، وذلك بسبب نبوغ الطبري واتساع دائرة معارفه واستفادته من الجو العلمي الذي عاش فيه . . على أن هذا التفسير العظيم الذي أخذ شهرة واسعة ، وتقديرا عظيما من كبار العلماء عند ظهوره حتى ليقول أبو حامد الأسفرائني المتوفى سنة 406 ه - 1015 م عنه « لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل كتاب تفسير محمد ابن جرير لم يكن ذلك كثيرا » أقول إن هذا التفسير على عظمته اندثر ونامت نسخه في بعض المكتبات الخاصة . . فمرت قرون وهو مندثر ، دون أن يعرفه أحد ، اللهم إلا بعض نماذج ، وورقات مبعثرة ، كانت تشير إليه ، وتثير تلهف العلماء عليه . . حتى نجد المستشرق « نولدكه » يكتب في سنة 1860 م بعد أن اطلع على نماذج من هذا التفسير ، « لو حصلنا على هذا الكتاب لاستطعنا أن نستغني عن كل كتب التفسير المتأخرة عليه ، ولكنه يبدو للأسف . مفقودا بالكلية ، ولقد كان مثل كتاب التاريخ الكبير لنفس المؤلف نبعا لا ينضب استمد منه المتأخرون حكمتهم « 1 » .

--> ( 1 ) نقلا عن كتاب مذاهب التفسير لجولد تسهير تعليق المرحوم الدكتور عبد الحليم النجار ص 108 المطبوع 1955 بمطبعة السنة المحمدية . .