عبد الواحد بن محمد المالكي ( المالقي )

75

شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير )

النفيسة الموروثة عن السلف الصالح ، فلا تهمل ؛ مراعاة لحال الجاهلين ، بل يجب أن تبقى ؛ لأجل العلماء العارفين ، الذين لا تخلو منهم الأرض ، وإلى هذا الرأي ذهب الإمام عز الدين بن عبد السلام ، وتابعه صاحب البرهان ، قال صاحب التبيان : « وأما كتابته - أي : المصحف على ما أحدث الناس من الهجاء - فقد جرى عليها أهل المشرق ؛ بناء على كونها أبعد عن اللبس ، وتحاشاها أهل المغرب ؛ بناء على قول الإمام مالك ، وقد سئل : هل يكتب المصحف على ما أحدث الناس من الهجاء ؟ فقال : « لا ، إلا على الكتابة الأولى » ، قال في البرهان : « قلت : وهذا كان في الصدر الأول ، والعلم حي غض ، وأما الآن فقد يخشى الالتباس ؛ ولذلك قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام : لا تجوز كتابة المصحف إلا على المرسوم الأول ، باصطلاح الأئمة ؛ لئلا يوقع في تغيير من الجهال ، ولكن لا ينبغي إجراء هذا على إطلاقه ؛ لئلا يؤدى إلى دروس العلم ، وشئ أحكمه القدماء لا يترك ؛ مراعاة لجهل الجاهلين ، ولن تخلو الأرض من قائم لله بالحجة » . وهذا الرأي وسط بين الرأيين الأولين ؛ لأنه يقوم على رعاية الاحتياط للقرآن ، وتنزيه ساحته عن التغيير والتبديل ، بالإبقاء على الرسم العثماني ، الذي هو الأصل في المصاحف الأمهات ، وعليها يعول المسلمون في كل قطر من جهة ؛ ورعاية حال جمهور المسلمين الذين يتعذر عليهم قراءة القرآن من المصاحف المكتوبة على الرسم العثماني ، والتيسير عليهم من جهة أخرى . والقائل بهذا الرأي الوسيط ليس رجلا مغمورا بين العلماء ، أو مطعونا في دين أو خلق ، وإنما هو الضليع ، الآمر بالمعروف ، والناهى عن المنكر ، وصاحب المواقف المشهورة مع الملوك والسلاطين والأمراء ، والذي لقب بحق ، بسلطان العلماء : العز بن عبد السلام . وفي الحق : أن طلاب المعاهد والمدارس يجدون حرجا في هذا ؛ لأن معظمهم يتلقى القرآن من المصاحف ، لا من أفواه المقرئين ، كما هي السنة ، بل كثير من المدرسين - غير العارفين بالرسم العثماني - قد يتعذر عليه قراءته من المصحف قراءة صحيحة ، وكثيرا ما نسمع في هذا مضحكات مبكيات ! ! .