عبد الواحد بن محمد المالكي ( المالقي )

651

شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير )

فاعلم أن أصل هذه الكلمة « تأمننا » بنونين : الأولى لام الفعل ، وحقها أن تكون محركة بالضم ، والثانية ضمير المتكلم عن نفسه وغيره ، إلا أنها كتبت في المصحف بنون واحدة ، وأطلق القراء على هذه الكلمة أنها تقرأ بالإدغام ، ثم اختلفوا في تفسير ذلك : فمنهم من التزم فيها بالإدغام الصحيح فينطق بعد الميم بنون واحدة مشددة ، إلا أنه عند فراغه من النطق بالميم وتوجهه إلى النطق بتلك النون يضم شفتيه ، يشير بذلك إلى الضمة التي تستحق النون الأولى قبل الإدغام ، ثم يتبع هذه الإشارة بالنطق بالنون مشددة مفتوحة ؛ فتسمى تلك الإشارة إشماما . ومنهم من حمل التعبير بالإدغام على المسامحة فيلفظ بعد الميم بنونين على الأصل : يحرك الأولى بضمة خفية ويبقى الثانية على فتحها ، ويكون ذلك المقدار الذي حصل في النون الأولى من لفظ الضمة مانعا من حقيقة الإدغام وموجبا للتفكيك ، إلا أنه لما كانت تلك الحركة خفية راجعة إلى باب الروم الذي هو النطق ببعض الحركة ولم تكن متممة ، حصل بذلك إخفاء النون الأولى ؛ فأشبه الإدغام فسماه إدغاما بهذا القدر على المجاز والمسامحة ، وعلى هذا التفسير الثاني يتخرج كلام الحافظ هنا ويندفع الإشكال ، وقد بسط الحافظ المذهبين في « إيجاز البيان » وغيره من كتبه ، ورجح مذهب القائلين بالإخفاء ، كما فعل في « التيسير » . وأما الشيخ والإمام فأخذا بالقول الآخر فجعلاه إدغاما صحيحا ، وتكون الإشارة على قولهما إشماما لا روما ؛ لأنها لا تقتضى تفكيك النون الأولى من الثانية ، وإن كان لها مع ذلك أثر في السمع ، فتأمله . وقد بسط الشيخ القول في هذه المسألة في كتاب « التنبيه » فانظره فيه . وقول الحافظ : « وحقيقة الإشمام في ذلك : أن يشار بالحركة إلى النون » . يريد : يلفظ ببعض الحركة في النون الأولى ، وسماه إشارة ؛ لأنها حركة غير متممة ، وقد مر من كلامه في باب الوقف وفي باب الإدغام الكبير أنه يسمى كل واحد من الروم والإشمام : إشارة . وقوله : « لا بالعضو إليها » . يعنى أن هذه الإشارة تكون بمجرد الشفتين من غير أن يحصل في النطق شئ من لفظ الحركة ؛ لأنه لو كان كذلك للزم الإدغام الصحيح ، بل لا بد من النطق بالحركة