عبد الواحد بن محمد المالكي ( المالقي )

4

شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير )

توقيفية القراءات * اختلاف اللهجات وتعدد القراءات : لقد نزل القرآن الكريم بلسان عربى مبين ، واللسان العربي مثله مثل كل الألسنة - انشعبت منه منذ قديم الزمان لهجات متعددة مختلفة في كثير من المستويات الصوتية والدلالية ، وأيضا على مستوى القواعد والمفردات . وهناك أسباب أدت إلى هذا الاختلاف من أهمها : أن أعضاء النطق تختلف في بنيتها واستعدادها ومنهج تطورها ؛ تبعا لتنوع الخواص الطبيعية المزود بها كل شعب من الشعوب المختلفة ، والتي تنتقل عن طريق الوراثة من السلف إلى الخلف . ومن سنة اللّه - عز وجل - أنه لم يرسل رسولا إلا بلسان قومه ؛ قال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [ إبراهيم : 4 ] ، وأن العرب الذين أنزل إليهم القرآن الكريم ، كانوا مختلفي اللهجات ، متعددى اللغات ، متنوعى الألسن ؛ ومن أجل ذلك أنزل اللّه - تعالى - كتابه على لهجات العرب ليتمكنوا من قراءته ، وينتفعوا بما فيه من أحكام وشرائع ؛ إذ لو أنزله - تعالى - بلهجة واحدة - والحال هكذا من أن الذين أنزل إليهم مختلفو اللهجات - لحال ذلك دون قراءته ، والانتفاع بهدايته ؛ لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتحول من لهجته التي درج عليها ، ومرن لسانه على التخاطب بها منذ نعومة أظفاره ، وصارت هذه اللهجة طبيعة من طبائعه ، وسجية من سجاياه ، واختلطت بلحمه ودمه ، حتى لا يمكنه التحول عنها ، والعدول إلى غيرها . فلو كلف اللّه العرب مخالفة لهجاتهم التي لا يستقيم لسانهم إلا عليها ، ولا يتيسر نطقهم إلا بها - لشق ذلك عليهم غاية المشقة ولكان ذلك من قبيل التكليف بما لا يدخل تحت طاقة الإنسان البشرية وقدرته الفطرية ، ولكان ذلك منافيا ليسر الإسلام وسماحته ، التي تقتضى درء المشقة والحرج عن معتنقيه ؛ فاقتضت رحمة اللّه - تعالى - بهذه الأمة ، وإرادته التخفيف عنها ، ووضع الإصر عنها - أن ييسر لها حفظ كتابها ، وتلاوة دستورها ؛ لتتمكن من قراءته ، والتعبد بتلاوته ، والانتفاع بما فيه على أكمل الوجوه وأحسنها ؛ فأنزله على لهجات العرب المتنوعة ، وكان الرسول صلى اللّه عليه وسلم يقرؤه على العرب ، بهذه اللهجات ليسهل على كل قبيلة تلاوته ، بما يوافق لهجاتها . وبالضرورة ، وإزاء هذه الأسباب القوية ، ليس يسهل على كل أحد أن يستبدل