عبد الواحد بن محمد المالكي ( المالقي )

30

شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير )

طبقة ؛ مثلما وقع للقرآن ، وقد تلقوه عن النبي نفسه صلى اللّه عليه وسلم حرفا حرفا لم يهملوا منه حركة ولا سكونا ، ولا إثباتا ولا حذفا « 1 » . ثم إن هذا الزعم الذي قال به هؤلاء المستشرقون تصادمه الحقائق التاريخية التي لا يرتقى إليها الشك ، وتعارضه الأدلة النقلية التي بلغت في مجموعها مبلغ التواتر ، ودلت على أن القراءات منبعها الوحي الإلهى عن اللّه - عز وجل - ومصدرها النقل المتواتر والصحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ودلت كذلك على أن القراءات سنة متبعة ، ينقلها الآخر عن الأول ، ويتلقاها الخلف عن السلف ، إلى أن تنتهى إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، عن جبريل أمين الوحي ، عن اللّه تعالى . إن هذا الزعم يتنافى مع قضايا العقل ، ولا يتلاقى مع قوانين المنطق ، ولا يستسيغه الفكر الناضج السليم ، وهاكم بعض التفصيل لما أقول : أولا : إن التاريخ - وهو خير شاهد ، وأصدق مخبر - يدلنا على أن القرآن الكريم بجميع قراءاته ورواياته كان محفوظا في صدر أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قبل أن تكتب المصاحف في عهد الخليفة عثمان ، بل قبل أن يجمع القرآن في المصحف ، في عهد الصديق أبى بكر ؛ كما يدل على أن قراءاته ورواياته قد ذاع أمرها ، وانتشر بين الأنام خبرها ، وتداول الناس القراءة بها في العهد النبوي ، وقد نطقت بذلك الأخبار الصحيحة ، والآثار الصريحة التي لا مطعن فيها ، ولا وهن في أسانيدها ، وأقص عليكم من نبأ هذه الأخبار ما لا يبقى معه أدنى شبهة ، ولا أقل ريبة في أن القراءات مردها التلقي والرواية ، ومرجعها التوقيف والسماع ، ولا دخل لأحد من البشر فيها كائنا من كان ، وليست خاصية الخط العربي الذي كتبت به المصاحف مدعاة - من قريب أو من بعيد - إلي تنوع القراءات ، واختلاف القراء . ثانيا : عن ابن عباس - رضى اللّه عنهما - أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « أقرأني جبريل على حرف ، فراجعته ، فلم أزل أستزيده ، ويزيدني ، حتّى انتهى إلى سبعة أحرف » . أخرجه البخاري ومسلم . ثالثا : وعن عمر بن الخطاب - رضى اللّه عنه - قال : سمعت هشام بن حكيم ابن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : فاستمعت لقراءته ، فإذا هو يقرأ

--> ( 1 ) ينظر : بحوث قرآنية المؤتمر السادس ص ( 108 - 119 ) .