عبد الواحد بن محمد المالكي ( المالقي )

3

شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير )

مقدمة التحقيق بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي أنزل القرآن كلامه فارقا بين الحق والباطل ، وحدّا بين الهدى والضلال ، واصطفى نفرا من خلقه الكرام البررة حفظته قلوبهم ولهجت به ألسنتهم ، وقيض لكلامه منهم من يذود عنه شبه الملحدين وافتراءات المرجفين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة مقرّ بوحدانيته ، مذعن فؤاده لربوبيته ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، الذي آتاه الحق سبحانه وتعالى جوامع الكلم ، فقال صلى اللّه عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة - رضي الله عنها - : « مثل الماهر بالقرآن مثل السّفرة الكرام البررة ، ومثل الّذى يقرؤه ، وهو عليه شاقّ له أجران » « 1 » . فاستنفر بقوله همما عالية وصدورا طاهرة عكفت على كلام الله حفظا وتلاوة وفهما وتدبرا ، رضى الله عن صحابته الكرام الذين سنوا لمن بعدهم سنة العناية بكتاب الله الكريم ، ورحم الله السادة المشايخ الذين جمعوا في اختلاف حروفه ورواياته المبسوطة والمختصرة . وبعد ، فهذا مبحث من المباحث القرآنية الشريفة ، يدور حول توقيفية القراءات القرآنية ، وعرض ما أثير حولها من شبه وافتراءات - قديما وحديثا - من بعض المفترين العرب ومن بعض المستشرقين الملحدين . وبداية نقول : إن القراءات القرآنية ليست بالاجتهاد والاختيار ، وإن تنوعها واختلافها ليس وليد إغفال الكلمات القرآنية من النقط والشكل ؛ إذ لو كان كذلك لكانت كل قراءة يسمح بها الرسم وتسيغها العربية صحيحة ، وليس كذلك ؛ فإن كثيرا من الكلمات يحتمل رسمها أكثر من قراءة واللغة تجيز هذه القراءات ولكن لم يصح فيها إلا قراءة واحدة . والقراءة لا تعتبر ولا يعتد بها إلا إذا كانت عن التلقين والتوقيف والتلقي والمشافهة والنقل والسماع والرواية . وفيما يلي عرض لهذه القضية ومناقشة جوانبها .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 8 / 691 ) حديث ( 4937 ) ، ومسلم ( 1 / 549 ) حديث ( 244 ) .