عبد الواحد بن محمد المالكي ( المالقي )
29
شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير )
ذيوعا لمباحثهم ، ونصرا على مخالفيهم . وهو يتكلم عن الباحثين في كتب اليهود والنصارى فيقول : إن طريقتهم في البحث أن يجمعوا الآراء والظنون والأوهام والتصورات بأجمعها ؛ ليستنتجوا - بالفحص والاكتشاف - ما كان فيها مطابقا للمكان والزمان وظروف الأحوال ، معتبرين المتن دون الإسناد ، ويجتهدون في إقامة نص التوراة والإنجيل . . . إلخ . ونحن نرد على جفرى بأن القرآن غير الكتب السابقة ، فهو بلغنا كلمة كلمة ، بل حرفا حرفا بالتلقى الصحيح ، وبالرواية المتواترة ، التي تعنى : أنه في كل طبقة من طبقاتها يتوافر جمع من الناس يؤمن تواطؤهم على الكذب أو لا يتصور تواطؤهم عليه . ويرد جفرى نفس المشرع المسموم الذي ورده جولد تسيهر ، فيشير إلى الادعاء بأن المصاحف المكتوبة الأئمة - لخلوها من النقط والشكل - كانت تدعو القارئ - فيما بعد - أن يتولى بنفسه نقط النص القرآني ، وضبطه بالشكل ، على مقتضى ما يفهمه هو من معاني الآيات . وأورد جفرى مثلا لهذا كلمة « نعلمه » فقد كان الواحد - بزعم المستشرقين - يقرؤها : « يعلمه » ، والآخر : « نعلمه » ، والثالث : « تعلمه » ، والرابع : « تعلمه » . . . إلخ . وقد قدمنا آنفا - ونحن نناقش جولد تسيهر - أن هذا الرأي فاسد فيما يتعلق بالقرآن ؛ لأن المسلمين لم يعتمدوا في نقل القرآن على خط المصاحف ، وإنما اعتمدوا على التلقي الشفهى . ونضيف هنا : أنهم اعتمدوا أيضا على حفظ القلوب والصدور ، وقد عد ذلك من أشرف خصائصهم ، ثم إن التبديل في القرآن - مهما قل - ليس لمخلوق حتى ولو كان نبي الإسلام نفسه . وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [ يونس : 15 ] . تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ . وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [ الحاقة : 43 - 47 ] . والاستقراء الموضوعي يكشف لنا أنه لم ينقل عبر القرون كتاب سماوي أو غير سماوي ، بالتواتر القطعي والإسناد الصحيح ، عن العدول الضابطين ، طبقة بعد