عبد الواحد بن محمد المالكي ( المالقي )

28

شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير )

وقد ساق جولد تسيهر طائفة أخرى مماثلة من الدعاوى ، وقد تعقبها كلها بالتفنيد مترجم الكتاب المرحوم الدكتور عبد الحليم النجار الذي نبه - أحسن اللّه جزاءه - على أهم النزعات الدينية التي « لا يكاد يخلو منها كتاب من كتب المستشرقين ، لا سيما فيما يتصل من الدين بسبب أو نسب يمليها عليهم إلف ملازم ، أو هوى متبع ، أو قصد جائر » وأشار - نضر اللّه وجهه - إلى أن هناك أخطاء يتورط فيها المستشرقون لغرابة المادة العربية والإسلامية على تفكيرهم ، أو لقلة بصرهم بالذوق العربي ، وعجزهم عن التغلغل في أسرار اللسان ومسالك البيان . أما آرثر جفرى - وهو أحدث الثلاثة تاريخا - : ففي مقدمته لكتاب « المصاحف لابن أبي داود » يحاول هو الآخر - معتضدا بدعاوى نولدكه ، وشولى Schwally وغيرهما - تحريف تاريخ القرآن عن بعض مواضعه ، ويريد ليطفئ في صدور المسلمين أنوار التقديس لكتابهم ، وليوهى اعتقادهم بتوقيفيته : فهو يدعى - بغير بينة - أن القراءات تطورت على الأيام ، ومعنى هذا - فيما هو واضح - أن اللّه تعالى لم ينزل القراءات بالشكل المتواتر عند المسلمين ، وأن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يقرأ بها هكذا ، وأن صحابته وتابعيهم لم يتلقوها ، ولم يقرءوا بها هكذا . وقد احتمى جفرى ببعض الروايات المنكرة والأحاديث الموضوعة ، مثلما فعل زميلاه نولدكه وجولد تسيهر . وممن توارى جفرى خلفهم : ابن أبي داود الذي كذبه أبوه نفسه في أكثر من حديث . ويدعو جفرى الباحثين المسلمين إلى شئ عجيب : يدعوهم لينهجوا نهج باحثى اليهود والنصارى الذين شكوا في صحة كتبهم المقدسة ، والذين نجحوا - كما يعبر - في كشف ما ورد على هذه الكتب من تغيير وتعديل ، وهو - في هذا - يقول بقصد خبيث مكشوف : « فسر في أيامنا هذه علماء الشرق كثيرا مما يتعلق بتفسير القرآن وإعجازه وأحكامه ولكنهم إلى الآن لم يبينوا لنا ما يستفاد منه التطور في قراءته ، ولا ندري - على التحقيق - لما ذا كفوا عن البحث ، في عصر له نزعة خاصة في التنقيب ، عن تطور الكتب المقدسة ، وعما حصل لها من التغيير والتحرير ونجاح بعض الكتاب فيها » . ويعد جفرى المستجيبين لدعوته : دعوة بحث القرآن ؛ لاكتشاف ما سماه : « التغيير والتحوير » فيه يعدهم مثل ما أحرز الباحثون في كتب اليهود والنصارى - :