محمد بن محمد النويري
48
شرح طيبة النشر في القراءات العشر
--> على المفضول ، وينبغي أن تكون ملازمة الاشتغال بالعلم هي مطلوبه ورأس ماله فلا يشتغل بغيره ، فإن اضطر إلى غيره في وقت ، فعل ذلك الغير بعد تحصيل وظيفته من العلم . وينبغي أن يعتنى بالتصنيف إذا تأهل له ، فبه يطلع على حقائق العلم ودقائقه ، ويثبت معه ؛ لأنه يضطره إلى كثرة التفتيش والمطالعة ، والتحقيق والمراجعة ، والاطلاع على مختلف كلام الأئمة ، ومتفقه وواضحه من مشكله ، وصحيحه من ضعيفه ، وجزله من ركيكه ، وما لا اعتراض عليه من غيره ، وبه يتصف المحقق بصفة المجتهد . وليحذر كل الحذر أن يشرع في تصنيف ما لم يتأهل له ، فإن ذلك يضره في دينه وعلمه وعرضه ، وليحذر أيضا من إخراج تصنيفه من يده إلا بعد تهذيبه ، وترداد نظره فيه وتكريره ، وليحرص على إيضاح العبارة وإيجازها ، فلا يوضح إيضاحا ينتهى إلى الركاكة ، ولا يوجز إيجازا يفضى إلى المحق والاستغلاق ، وينبغي أن يكون اعتناؤه من التصنيف بما لم يسبق إليه أكثر . والمراد بهذا ألا يكون هناك مصنف يغنى عن مصنفه في جميع أساليبه ، فإن أغنى عن بعضها فليصنف من جنسه ما يزيد زيادات يحتفل بها ، مع ضم ما فاته من الأساليب . وليكن تصنيفه فيما يعم الانتفاع به ، ويكثر الاحتياج إليه ، وليعتن بعلم المذهب ، فإنه من أعظم الأنواع نفعا ، وبه يتسلط المتمكن على المعظم من باقي العلوم . ومن آدابه وآداب تعليمه : اعلم أن التعليم هو الأصل الذي به قوام الدين ، وبه يؤمن امّحاق العلم ، فهو من أهم أمور الدين ، وأعظم العبادات ، وآكد فروض الكفايات . قال الله - تعالى - : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [ آل عمران : 187 ] ، وقال - تعالى - : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا . . . الآية [ البقرة : 159 ] . وفي الصحيح من طرق : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « ليبلّغ الشّاهد منكم الغائب » ، والأحاديث بمعناه كثيرة ، والإجماع منعقد عليه . ويجب على المعلم أن يقصد بتعليمه وجه الله تعالى لما سبق ، وألا يجعله وسيلة إلى غرض دنيوي ، فيستحضر المعلم في ذهنه كون التعليم آكد العبادات ؛ لكون ذلك حاثا له على تصحيح النية ، ومحرضا له على صيانته من مكدراته ومن مكروهاته ؛ مخافة فوات هذا الفضل العظيم ، والخير الجسيم . قالوا : وينبغي ألا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية ، فإنه يرجى له حسن النية ، وربما عسر في كثير من المبتدئين بالاشتغال تصحيح النية لضعف نفوسهم ، وقلة أنسهم بموجبات تصحيحها ، فالامتناع من تعليمهم يؤدى إلى تفويت كثير من العلم مع أنه يرجى ببركة العلم تصحيحها إذا أنس بالعلم . وقد قالوا : طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله ، معناه : كانت عاقبته أن صار لله ، وينبغي أن يؤدب المتعلم على التدريج بالآداب السنية ، والشيم المرضية ، ورياضة نفسه بالآداب والدقائق الخفية ، ويعوده الصيانة في جميع أموره الكامنة والجلية . فأول ذلك : أن يحرضه بأقواله وأحواله المتكررات على الإخلاص والصدق وحسن النيات ، ومراقبة الله - تعالى - في جميع اللحظات ، وأن يكون دائما على ذلك حتى الممات ، ويعرفه أن بذلك تنفتح عليه أبواب المعارف ، وينشرح صدره وتنفجر من قلبه ينابيع الحكم واللطائف ، ويبارك له في حاله وعلمه ، ويوفق للإصابة في قوله وفعله وحكمه ، ويزهده في الدنيا ، ويصرفه عن التعلق بها ، والركون إليها ، والاغترار بها ، ويذكره أنها فانية ، والآخرة آتية باقية ، والتأهب للباقي ، والإعراض عن الفاني هو طريق الحازمين ، ودأب عباد الله الصالحين .