محمد بن محمد النويري
49
شرح طيبة النشر في القراءات العشر
--> وينبغي أن يرغبه في العلم ويذكره بفضائله وفضائل العلماء ، وأنهم ورثة الأنبياء ، صلوات الله وسلامه عليهم ، ولا رتبة في الوجوه أعلى من هذه . وينبغي أن يحنو عليه ويعتنى بمصالحه كاعتنائه بمصالح نفسه وولده ، ويجريه مجرى ولده في الشفقة عليه ، والاهتمام بمصالحه ، والصبر على جفائه وسوء أدبه ، ويعذره في سوء أدب ، وجفوة تعرض منه في بعض الأحيان ، فإن الإنسان معرض للنقائص . وينبغي أن يحب له ما يحب لنفسه من الخير ، ويكره له ما يكرهه لنفسه من الشر ؛ ففي الصحيحين : « لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه » . وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : أكرم الناس على ، جليسى الذي يتخطى الناس ، حتى يجلس إلى ، لو استطعت ألا يقع الذباب على وجهه لفعلت وفي رواية : إن الذباب يقع عليه فيؤذيني . وينبغي أن يكون سمحا يبذل ما حصله من العلم سهلا بإلقائه إلى مبتغيه ، متلطفا في إفادته طالبيه ، مع رفق ونصيحة وإرشاد إلى المهمات ، وتحريض على حفظ ما يبذله لهم من الفوائد النفيسات ، ولا يدخر عنهم من أنواع العلم شيئا يحتاجون إليه إذا كان الطالب أهلا لذلك ، ولا يلقى إليه شيئا لم يتأهل له ؛ لئلا يفسد عليه حاله ، فلو سأله المتعلم عن ذلك لم يجبه ، ويعرفه أن ذلك يضره ولا ينفعه ، وأنه لم يمنعه ذلك شحا ، بل شفقة ولطفا . وينبغي ألا يتعظم على المتعلمين ، بل يلين لهم ويتواضع ، فقد أمر بالتواضع لآحاد الناس ، قال الله - تعالى - : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [ الحجر : 88 ] ، وعن عياض بن حمار - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « إنّ اللّه أوحى إلى أن تواضعوا » . رواه مسلم ، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما نقصت صدقة من مال ، وما زاد اللّه عبدا بعفو إلّا عزّا ، وما تواضع أحد للّه إلّا رفعه اللّه » . رواه مسلم . فهذا في التواضع لمطلق الناس ، فكيف بهؤلاء الذين هم كأولاده مع ما هم عليه من الملازمة لطلب العلم ، ومع ما لهم عليه من حق الصحبة ، وترددهم إليه ، واعتمادهم عليه ؟ وفي الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « لينوا لمن تعلمون ولمن تتعلّمون منه » . وعن الفضيل ابن عياض - رحمه الله - : إن الله - عز وجل - يحب العالم المتواضع ، ويبغض العالم الجبار ، ومن تواضع لله - تعالى - ورثه الحكمة . وينبغي أن يكون حريصا على تعليمهم ، مهتما به مؤثرا له على حوائج نفسه ومصالحه ما لم تكن ضرورة ، ويرحب بهم عند إقبالهم إليه ، لحديث أبي سعيد السابق ، ويظهر لهم البشر وطلاقة الوجه ، ويحسن إليهم بعلمه وماله وجاهه بحسب التيسير ، ولا يخاطب الفاضل منهم باسمه بل بكنيته ونحوها ؛ ففي الحديث عن عائشة - رضي الله عنها - : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يكنّى أصحابه إكراما لهم وتسنية لأمورهم » . وينبغي أن يتفقدهم ، ويسأل عمن غاب منهم . وينبغي أن يكون باذلا وسعه في تفهيمهم ، وتقريب الفائدة إلى أذهانهم ، حريصا على هدايتهم ، ويفهم كل واحد بحسب فهمه وحفظه فلا يعطيه ما لا يحتمله ، ولا يقصر به عما يحتمله بلا مشقة ، ويخاطب كل واحد على قدر درجته ، وبحسب فهمه وهمته ، فيكتفى بالإشارة لمن يفهمها فهما محققا ، ويوضح العبارة لغيره ، ويكررها لمن لا يحفظها إلا بتكرار ، ويذكر الأحكام موضحة بالأمثلة من غير دليل لمن لا يحفظ له الدليل ، فإن جهل دليل بعضها ذكره له ، ويذكر الدلائل لمحتملها ، ويذكر : هذا ما يبنى ، على هذه المسألة وما يشبهها ، وحكمه حكمها وما يقاربها ، وهو مخالف لها ، ويذكر الفرق بينهما ، ويذكر ما يرد عليها وجوابه إن أمكنه . ويبين الدليل الضعيف ؛ لئلا يغتر به فيقول : استدلوا بكذا ، وهو ضعيف لكذا ، ويبين الدليل المعتمد ليعتمد ،