محمد بن محمد النويري

47

شرح طيبة النشر في القراءات العشر

--> الحكمة بذم اللّه [ إياه ] احترازا من المعاصي . وطريقه في نفى الرياء : أن يعلم أن الخلق لا ينفعونه ولا يضرونه حقيقة ؛ فلا يتشاغل بمراعاتهم فيتعب نفسه ، ويضر دينه ، ويحبط عمله ، ويرتكب ما يجلب سخط اللّه ، ويفوت رضاه . وطريقه في نفى الإعجاب : أن يعلم أن العلم فضل من اللّه - تعالى - ومنة عارية فإن للّه - تعالى - ما أخذ ، وله ما أعطى ، وكل شئ عنده بأجل مسمى ، فينبغي ألا يعجب بشيء لم يخترعه ، وليس مالكا له ، ولا على يقين من دوامه . وطريقه في نفى الاحتقار : التأدب بما أدبنا اللّه تعالى ، قال اللّه تعالى فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى [ النجم : 32 ] . وقال تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [ الحجرات : 13 ] ، فربما كان هذا الذي يراه دونه أتقى للّه - تعالى - وأطهر قلبا ، وأخلص نية ، وأزكى عملا ، ثم إنه لا يعلم ما ذا يختم له به ، ففي الصحيح : « إنّ أحدكم يعمل بعمل أهل الجنّة . . . » الحديث ، نسأل اللّه العافية من كل داء . ومنها : استعماله أحاديث التسبيح ، والتهليل ، ونحوهما من الأذكار والدعوات وسائر الآداب الشرعيات . ومنها : دوام مراقبته للّه تعالى في علانيته وسره ، محافظا على قراءة القرآن ، ونوافل الصلوات ، والصوم ، وغيرها ؛ معولا على اللّه - تعالى - في كل أمره معتمدا عليه ، مفوضا في كل الأحوال أمره إليه . ومنها - وهو من أهمها - : ألا يذل العلم ، ولا يذهب به إلى مكان ينتسب إلى من يتعلمه منه ، وإن كان المتعلم كبير القدر ، بل يصون العلم عن ذلك كما صانه السلف ، وأخبارهم في هذا كثيرة مشهورة مع الخلفاء وغيرهم . فإن دعت إليه ضرورة أو اقتضت مصلحة راجحة على مفسدة ابتذاله - رجونا أنه لا بأس به ما دامت الحالة هذه ، وعلى هذا يحمل ما جاء عن بعض السلف في هذا . ومنها : أنه إذا فعل فعلا صحيحا جائزا في نفس الأمر ، ولكن ظاهره أنه حرام أو مكروه ، أو مخل بالمروءة ، ونحو ذلك ، فينبغي له أن يخبر أصحابه ، ومن يراه يفعل ذلك بحقيقة ذلك الفعل ؛ لينتفعوا ؛ ولئلا يأثموا بظنهم الباطل ؛ ولئلا ينفروا عنه ، ويمتنع الانتفاع بعلمه ، ومن هذا الحديث الصحيح : « إنها صفية » . ومن آدابه في درسه واشتغاله أنه ينبغي ألا يزال مجتهدا في الاشتغال بالعلم قراءة وإقراء ، ومطالعة وتعليقا ، ومباحثة ومذاكرة وتصنيفا ، ولا يستنكف من التعلم ممن هو دونه في سن أو نسب أو شهرة أو دين ، أو في علم آخر ، بل يحرص على الفائدة ممن كانت عنده ، وإن كان دونه في جميع هذا ، ولا يستحى من السؤال عما لم يعلم . فقد روينا عن عمر وابنه - رضي الله عنهما - قالا : من رق وجهه رق علمه . وعن مجاهد لا يتعلم العلم مستح ولا مستكبر . وفي الصحيح عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : نعم النساء نساء الأنصار ، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين . وقال سعيد بن جبير : لا يزال الرجل عالما ما تعلم ، فإذا ترك العلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده فهو أجهل ما يكون . وينبغي ألا يمنعه ارتفاع منصبه وشهرته من استفادة ما لا يعرفه ، فقد كان كثيرون من السلف يستفيدون من تلامذتهم ما ليس عندهم ، وقد ثبت في الصحيح رواية جماعة من الصحابة عن التابعين ، وروى جماعات من التابعين عن تابعي التابعين ، وهذا عمرو بن شعيب ليس تابعيا ، وروى عنه أكثر من سبعين من التابعين . وثبت في الصحيحين أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : قرأ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [ البينة : 1 ] ، على أبي بن كعب - رضي الله عنه - وقال : « أمرني اللّه أن أقرأ عليك » . فاستنبط العلماء من هذا فوائد ، منها : بيان التواضع ، وأن الفاضل لا يمتنع من القراءة